بَعْضٍ، وَلاَ يَظْلِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الجَنَّةُ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا"الشيخان [1] "
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"افْتَخَرَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتِ النَّارُ: يَا رَبِّ يَدْخُلُنِي الْجَبَابِرَةُ وَالْمُتَكَبِّرُونَ وَالْمُلُوكُ وَالْأَشْرَافُ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: أَيْ رَبِّ يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَيُلْقَى فِي النَّارِ أَهْلُهَا، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ قَالَ: وَيُلْقَى فِيهَا"
(1) - صحيح البخاري (6/ 138) (4850) وصحيح مسلم (4/ 2187) 36 - (2846)
[ش (تحاجت) تخاصمت والله تعالى أعلم بذلك التخاصم. (أوثرت) اختصصت. (المتجبرين) جمع متجبر وهو المتعاظم بما ليس فيه والذي لا يكترث بأمره. (سقطهم) الساقطون من أعين الناس والمحتقرون لديهم لفقرهم وضعفهم وقلة منزلتهم. (من أشاء) ممن استحق العقوبة واكتسب أسبابها]
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارَ مَظَاهِرُ لِلْجَمَالِ وَالْجَلَالِ عَلَى وَصْفِ الْكَمَالِ، وَلَا يَظْهَرُ لِأَحَدٍ وَجْهُ تَخْصِيصِ كَلٍّ بِكُلٍّ فِي مَقَامِ الْفَصْلِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا مِنْ بَابِ الْعَدْلِ، وَالْآخَرَ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] (وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا) لِأَنَّ كَمَالَهُمَا فِي مَلْءِ مَآلِهِمَا (فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ) قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30] أَيْ فَتَطْلُبُ الزِّيَادَةِ وَلَا تَمْتَلِئُ مِنْ أَهْلِهَا الْمُعَدِّ لَهَا. (حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ) أَيْ فِيهَا أَوْ عَلَيْهَا (رِجْلَهُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ: قَدَمَهُ، فَمَذْهَبُ السَّلَفِ التَّسْلِيمُ وَ التَّفْوِيضُ مَعَ التَّنْزِيهِ، وَأَرْبَابُ التَّأْوِيلِ مِنَ الْخَلَفِ يَقُولُونَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ، أَوْ قَوْمٌ قَدَّمَهُمُ اللَّهُ لِلنَّارِ مِنْ أَهْلِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي سَابِقِ حُكْمِهِ أَنَّهُمْ لَاحِقُوهَا، فَتَمْتَلِئُ مِنْهُمْ جَهَنَّمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ قَدَمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2] أَيْ مَا قَدَّمُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ فِي تَصْدِيقِهِمْ ... (وَيُزْوَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُضَمُّ وَيُجْمَعُ (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) أَيْ مِنْ غَايَةِ الِامْتِلَاءِ (فَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ) أَيْ أَبَدًا (مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا) أَيْ لَا يُنْشِئُ اللَّهُ خَلْقًا لِلنَّارِ، فَإِنَّهُ ظُلْمٌ بِحَسَبِ الصُّورَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا حَقِيقَةً فَإِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مُلْكِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ مَا فِي صُورَةِ الظُّلْمِ. (وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْشِئُ لَهَا) أَيْ مِنْ عِنْدِهِ (خَلْقًا) أَيْ جَمْعًا لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا، وَهَذَا فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَوْ أَنْشَأَ لِلنَّارِ خَلْقًا عَلَى مَا قِيلَ لَكَانَ عَدْلًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3628)