"ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ، أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:23] رواه مسلم [1] "
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِنَّ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ تَقُولُ: يَا رَبِّ إِنِّي قُطِعْتُ إِنِّي أُسِيءَ إِلَيَّ يَا رَبِّ فَيُجِيبُهَا رَبُّهَا فَيَقُولُ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ" [2]
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"الرَّحِمُ شُجْنَةٌ آخِذَةٌ بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ تُنَاشِدُهُ حَقَّهَا، فَيَقُولُ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعُ مَنْ قَطَعَكِ مَنْ وَصَلَكِ، فَقَدْ وَصَلَنِي، وَمَنْ قَطَعَكِ فَقَدْ قَطَعَنِي" [3]
(1) - صحيح مسلم (4/ 1980) 16 - (2554)
[ش (الرحم) قال القاضي عياض الرحم التي توصل وتقطع وتبر إنما هي معنى من المعاني ليست بجسم وإنما هي قرابة ونسب تجمعه رحم والدة ويتصل بعضه ببعض فسمي ذلك الاتصال رحما والمعنى لا يأتي منه القيام ولا الكلام فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل وحسن استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصليها وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم ولهذا سمي العقوق قطعا والعق الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل (العائذ) المستعيذ وهو المعتصم بالشيء الملتجئ إليه المستجير به (أن أصل من وصلك) قال العلماء حقيقة الصلة العطف والرحمة فصلة الله سبحانه وتعالى عبارة عن لطفه بهم ورحمته إياهم وعطفه بإحسانه ونعمه أوصلتهم بأهل ملكوته الأعلى وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته]
(2) - المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/ 179) (7287) صحيح
(3) - المعجم الكبير للطبراني (23/ 404) (970) صحيح لغيره
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّحِمَ اسْتَعَاذَتْ بِلِسَانِ الْمَقَالِ، أَوْ بَيَانِ الْحَالِ، وَالْتَجَأَتْ وَعَاذَتْ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ مِنْ أَنْ يَقْطَعَهَا أَحَدٌ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الرَّحْمَنِ لَا يَخْفَى مِنْ مُنَاسَبَةِ الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ بِحَقْوَيْ عَرْشِ الرَّحْمَنِ أَيْ: بِطَرَفَيْهِ، أَوْ أَطْرَافِ ذَيْلِهِ مُتَرَدِّدَةً مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي: الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الرَّحِمُ الَّتِي تُوصَلُ وَتُقْطَعُ إِنَّمَا هِيَ مَعْنَى مِنَ الْمَعَانِي، وَالْمَعَانِي لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا الْقِيَامُ وَلَا الْكَلَامُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ تَعْظِيمَ شَأْنِهَا وَفَضِيلَةَ وَاصِلِهَا وَعِظَمَ إِثْمِ قَاطِعِهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَطِيعَتَهَا مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَلِلصِّلَةِ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَدْنَاهَا تَرْكُ الْمُهَاجَرَةِ، وَصِلَتُهَا بِالْكَلَامِ وَلَوْ بِالسَّلَامِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَةِ وَالْحَاجَةِ، فَمِنْهَا وَاجِبٌ، وَمِنْهَا مُسْتَحَبٌّ، وَلَوْ وَصَلَ بَعْضَ الصِّلَةِ وَلَمْ يَصِلْ غَايَتَهَا وَلَا يُسَمَّى قَاطِعًا، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ لَا يُسَمَّى وَاصِلًا"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 3085) "