يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا"البخاري [1] "
(1) - صحيح البخاري (3/ 67) (2125)
[ش (أجل) حرف جواب مثل نعم. (شاهدا) لأمتك بتصديقهم وعلى الكافرين بتكذيبهم. (مبشرا) للمؤمنين. (نذيرا) للكافرين / الأحزاب 45 /. (حرزا للأميين) حصنا للعرب. (المتوكل) المعتمد على الله تعالى. (بفظ) سيء الخلق. (غليظ) شديد في القول. (سخاب) يرفع صوته على الناس. (يقيم الملة العوجاء) ينفي الشرك ويثبت التوحيد. (عميا) لا تبصر الحق. (صما) لا تسمع دعوة الخير. (غلفا) غطتها ظلمة الشرك]
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْمَذْكُورَاتِ كُلِّهَا مُثْبَتَةٌ فِي الْقُرْآنِ. قُلْتُ: أَجَلْ أَمَّا قَوْلُهُ:" {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} [الأحزاب: 45] "فَفِي الْأَحْزَابِ، وَقَوْلُهُ: حِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، فَفِي الْجُمُعَةِ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} [الجمعة: 2] وَقَوْلُهُ: سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ} [آل عمران: 159] "إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] وَقَوْلُهُ: وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 98] أَيْ: دُمْ عَلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ مِنَ الَّذِينَ لَهُمْ مُسَاهَمَةٌ وَنَصِيبٌ وَافِرٌ فِي السُّجُودِ، فَلَا تُخِلَّ بِهَا وَلَا تُشْغَلَ بِغَيْرِهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ - صلى الله عليه وسلم: «مَا أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ مِنَ السَّاجِدِينَ» فَقَوْلُهُ: وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] إِذْ هُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ نَفْيُ سَخَّابٍ وَحْدَهُ وَنَفْيُهُمَا مَعًا، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فِي الْأَسْوَاقِ قَيْدًا مُعْتَبَرًا فِي النَّفْيِ احْتِرَازًا مِنْ رَفْعِ صَوْتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْخُطْبَةِ فِي الْمَسَاجِدِ قَالَ: وَقَوْلُهُ: وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34] وَقَوْلُهُ: حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء: 108] أَيْ: مَا يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ التَّوْحِيدَ وَأَنْفِيَ الشِّرْكَ."
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: وَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} [النمل: 81] ؟ قُلْتُ: دَلَّ إِيلَاءُ الْفَاعِلِ الْمَعْنَوِيِّ حَرْفَ النَّفْيِ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْفَاعِلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى نَزَّلَهُ بِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِ الْقَوْمِ مَنْزِلَةَ مَنْ يَدَّعِي اسْتِقْلَالَهُ بِالْهِدَايَةِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ لَسْتَ بِمُسْتَقِلٍّ فِيهِ، بَلْ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَيْسِيرِهِ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَدْ يَنْسُبُ الْهِدَايَةَ إِلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - نَظَرًا إِلَى كَوْنِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ، وَمِنْهُ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} [الشورى: 52] وَتُنْفَى عَنْهُ أُخْرَى نَظَرًا إِلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْهِدَايَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3680)