وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِنَّ اللهَ قَالَ: أَنَا خَلَقْتُ الْخَيْرَ، وَالشَّرَّ فَطُوبَى لِمَنْ قَدَرْتُ عَلَى يَدِهِ الْخَيْرَ، وَوَيْلٌ لِمَنْ قَدَرْتُ عَلَى يَدِهِ الشَّرَّ"المعجم الكبير للطبراني [1]
وعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: قَرَأْتُ فِيمَا قَرَأْتُ مِنَ الْكُتُبِ: إِنِّي «أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، خَلَقْتُ الْخَيْرَ وَقَدَّرْتُهُ، فَطُوبَى لِمَنْ قَدَّرْتُ الْخَيْرَ عَلَى يَدَيْهِ، وَإِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، خَلَقْتُ الشَّرَّ وَقَدَّرْتُهُ، فَوَيْلٌ لِمَنْ قَدَّرْتُ الشَّرَّ عَلَى يَدَيْهِ» الإبانة الكبرى لابن بطة [2]
(1) - المعجم الكبير للطبراني (12/ 173) (12797) حسن لغيره
وذلك لأنه تعالى جعل هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير والرشاد وشرها أوعاها للبغي والفساد وسلط عليها الهوى وامتحنها بمخالفته لتنال بمخالفته جنة المأوى ثم أوجب على العبد في هذه المدة القصيرة التي هي بالإضافة إلى الآخرة كساعة من نهار أو كبلل ينال الأصبع حين يداخلها في بحر من البحار عصيان النفس الأمارة ومنعها من الركون إلى الدنيا ولذاتها لتنال حظها من كرامته فأمرها بالصيام عن محارمه ليكون فطرها عنده يوم القيامة"فيض القدير (2/ 242) "
(2) - الإبانة الكبرى لابن بطة (4/ 213) (1770) حسن مقطوع
الشُّر: السوء، والفساد، والظلم، والجمع: شرور، ومقابله الخير. قال الراغب الأصفهاني: الشر الذي يرغب عنه الكل، كما أن الخير هوالذي يرغب فيه الكل، كالعقل مثلًا، والعدل، والفضل، والشيء النافع، وقال العلامة أبو بكر بن قيم الجوزيه: الشر يُقَال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضي إليه، وليس له مسمى سوى ذلك، فالشرور هي الآلام، وأسبابها، فالمعاصي، والكفر، والشرك، وأنواع الظلم هي شرور؛ وإن كان لصاحبها فيها نوع غرض، ولذَّة، لكنها شرور؛ لأنها أسباب الآلام، ومفضية إليها، كإفضاء سائرالأسباب إلى مسبباتها، فترتب الألم عليها، كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى الذبح والإحراق بالنار، والخنق بالحبل، وغير ذلك من الأسباب التي تصيبه مفضية إلى مسبباتها، ولا بد ما لم يمنع السببية مانع، أو يعارض السبب ما هو أقوى منه وأشد اقتضاء لضده كما يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان، وعظمة الحسنات الماضية، وكثرتها، فيزيد في كميتها، وكيفيتها على أسباب العذاب، فيدفع الأقوى للأضعف، وهذا شأن جميع الأسباب المتضادة، كأسباب الصحة، والمرض، وأسباب الضعف، والقوة.
والشر يضاف إلى الله جل ذكره إيجادًا، وخلقًا لا فعلًا، وصفةً. وإلى الخلق فعلًا، وصفة، لا خلقًا وإيجادًا، والشر مسند إلى المخلوق المفعول، لا إلى خلق الرب تعالى الذي هو فعله وتكوينه، فإنه لا شر فيه بوجه ما، فإن الشر لا يدخل في شيء من صفاته، ولا في أفعاله، كما لا يلحق ذاته تبارك وتعالى، فإن ذاته لها الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق، والجلال التام، ولا عيب فيها، ولا نقص بوجه ما، وكذلك أفعاله كلها خيرات محضة، لا شر فيا أصلًا، ولو فعل الشر سبحانه لاشتقَّ له منه اسمًا ولم تكن أسماؤه كلها حسنى، ولعاد إليه منه حكم، تعالى وتقدس عن ذلك. وما يفعله من العدل بعباده، وعقوبة من يستحق العقوبة منهم هوخيرمحض؛ إذ هو محض العدل، والحكمة، وإنما يكون شرًا بالنسبة إليهم، فالشروقع في تعلقه بهم، وقيامه بهم، لا في فعله القائم به تعالى.
ونحن لا ننكر أن الشر يكون في مفعولاته المنفصلة، فإنه خالق الخير، والشر، ولكن هنا أمران ينبغي أن يكونا منك على بال؛ أحدهما: أن ما هو شر، أو متضمن للشر، فإنه لا يكون إلا مفعولًا منفصلًا لا يكون وصفًا له، ولا فعلًا من أفعاله. والثاني: أن كونه شرًا هو أمر نسبي إضافي، فهو خير من جهة تعلق فعل الرب، وتكوينه به، وشرمن جهة نسبته إلى من هو شر في حقه، فله وجهان، وهو من أحدهما خير، وهوالوجه الذي نسب منه إلى الخالق سبحانه وتعالى خلقًا وتكوينًا ومشيئة لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها، وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها وأكثر الناس تضيق عقولهم عن مبادئ معرفتها، فضلًا عن حقيقتها، فيكفيهم الإيمان المجمل بأن الله سبحانه الغني الحميد. وفاعل الشرلا يفعله لحاجته المنافية لغناه، أو لنقصه وعيبه المنافي لحمده، فيستحيل صدور الشر من الغني الحميد فعلًا، وإن كان هو الخالق للخير والشر، فقد عرفت أن كونه شرًا هو أمر إضافي، وهو في نفسه خير من جهة نسبته إلى خالقه، ومبدعه، فلا تغفل عن هذا الموضوع؛ فإنه يفتح لك بابًا عظيمًا من معرفة الرب، ومحبته، ويزيل عنك شبهات حارت فيها عقول أكثر الفضلاء. انتهى. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 76)