عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ"صحيح البخاري [1]
(1) - صحيح البخاري (9/ 144) (7501)
[ش (أراد) قصد وعزم. (من أجلي) امتثالا لحكمي وخوفا مني ورغبة في ثوابي. (فلم يعملها) أي الحسنة]
قال الطوفي: إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة؛ لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير؛ لأن إرادة الخير من عمل القلب، واستشكل بأنه إذا كان كذلك، فكيف لا تتضاعف لعموم قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الانعام: 160] وأُجيب بمثل الآية على عمل الجوارح، والحديث الهم على المجرد، واستشكل أيضًا بأن عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة، فكيف لم يعتبر في حصول السيئة، وخالف هواه، ثم إن ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك، سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيًا مع بقاء قصد الذي هم بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر، ولاسيما إن قارنها ندم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة: وإن كان الترك من الذي هم من قِبل نفسه، فهي دون ذلك إلا إن قارنها قصد الإعراض عنها جملة، والرغبة عن فعلها، ولاسيما إن وقع العمل في عكسها، كان يريد أن يتصدق بدرهم مثلًا فصرفه بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير ألا تكتب له حسنة أصلًا، وأما ما قبله فعلى الاحتمال، أفاده الحافظ ابن حجر في"فتحه".
وقوله:"وإذا همَّ بسيئة"... إلخ ظاهره: إطلاق كتابة الحسنة بمجرد الترك، وقد جاء مقيدًا في صحيح البخاري من حديث الأعرج عن أبي هريرة، ولفظه:"إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها حتى يعملها، فإن عملها؛ فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي؛ فاكتبوها له حسنة".
ونقل القاضي عياض عن بعض العلماء: أنه حمل حديث ابن عباس على عمومه. ثم صوَّب حمل مطلقه على ما قيد في حديث أبي هريرة. قال الحافظ بن حجر: قلت: ويحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير استحضار ما قيد به دون حسنة الآخر، لما تقدَّم: أن ترك المعصية كفٌّ عن الشر، والكف عن الشر خير. ويحتمل أيضًا أن يكتب لمن هم بالمعصية ثم تركها حسنة مجردة، فإن تركها من مخافة ربه سبحانه كُتبت حسنة مضاعفة. وقال الخطابي: محل كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه؛ لأن الإنسان لا يسمى تاركًا إلا مع القدرة، ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلًا فيجد الباب مغلقًا ويتعسَّر فتحه. ومثله: من تمكن من الزنى مثلًا، فلم ينتشر، أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلًا. ووقع في حديث أبي كبشة الأنماري ما قد يعرض ظاهر حديث الباب، وهو ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وصححه بلفظ:"إنما الدنيا لأربعة"فذكر الحديث، وفيه"وعبد رزقه الله مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يعمل في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يرى لله فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يرزقه الله مالًا، ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا؛ لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء"فقيل: الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين، فتُحمل الحالة الأولى على مَنْ همَّ بالمعصية همًا مجردًا من غير تصميم، والحالة الثانية على من صمم على ذلك، وأصرَّ عليه. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 23)