إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ"،قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الْحَسَنُ ذُكِرَ لَنَا، أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ"صحيح مسلم [1]
وعَنْ مُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ، وَقَتَلَ سَبْعًا وَتِسْعِينَ نَفْسًا، كُلَّهَا يَقْتُلُ ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَأَتَى دَيْرَانِيًّا فَقَالَ: يَا رَاهِبُ، إِنَّ الْآخَرَ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ إِلَّا قَدْ عَمِلَهُ، إِنَّهُ قَتَلَ سَبْعًا وَتِسْعِينَ نَفْسًا كُلُّهَا قُتِلَ ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ. قَالَ: لَا، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَتَى آخَرَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ تَوْبَةٌ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ آخَرَ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُمَا فَرَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ أَيْضًا، ثُمَّ أَتَى رَاهِبًا آخَرَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْآخَرَ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ إِلَّا قَدْ عَمِلَهُ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، كُلَّهَا ظُلْمًا يَقْتُلُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: لَيْسَ لَكَ مِنْ تَوْبَةٍ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَتَى آخَرَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ"
(1) - صحيح مسلم (4/ 2118) 46 - (2766)
[ش (نصف) أي بلغ نصفها (نأى) أي نهض ويجوز تقديم الألف على الهمزة وعكسه]
(قِيسُوا) : الْخِطَابُ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُتَخَاصِمِينَ أَيْ قَدِّرُوا (مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ، فَإِلَى أَيِّ قَرْيَةٍ أَقْرَبَ فَإِلْحَاقُهُ بِأَهْلِهَا أَوْجَبُ. (فَوُجِدَ) أَيِ: الْمَيِّتُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (إِلَى هَذِهِ) أَيِ: الْقَرْيَةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا، وَهِيَ قَرْيَةُ الصَّالِحِينَ (أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ) : دَلَّ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِطَالِبِ التَّوْبَةِ، فَضْلًا عَنِ التَّائِبِ، رَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى تَوْبَةً نَصُوحًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عَبْدِهِ أَرْضَى عَنْهُ خُصُومَهُ، وَرَدَّ مَظَالِمَهُ، فَفِي الْحَدِيثِ تَرْغِيبٌ فِي التَّوْبَةِ، وَمَنْعُ النَّاسِ عَنِ الْيَأْسِ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1615)