فالشيخ يقول: هذه الأدلة من القرآن والسنة، تدل على إثبات صفة العلو، وتورث لدى الإنسان علم يقيني لا يمكن دفعه، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه فوق العرش، وأنه فوق السماء كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم، في الجاهلية والإسلام، هذا النوع الثالث من أنواع الأدلة على إثبات علو الله - عز وجل - عرفنا النوع الأول دلالة الكتاب، النوع الثاني دلالة السنة، النوع الثالث الفطرة، وهذا الدليل من أقوى الأدلة التي ووجه بها، هؤلاء الذين أنكروا صفة العلو.
دليل الفطرة، ما هو دليل الفطرة؟ أن الله -كما ذكر الشيخ- فطر الناس عامة، المؤمن والكافر، العربي والأعجمي، الذكر والأنثى، والصغير والكبير، على أنهم يتوجهون بقلوبهم وأيديهم إذا حزبهم أمر أو شدة إلى السماء؛ لمن يتوجهون؟ لو لم يكن أن الله - عز وجل - في السماء، لما توجهوا إليها، وليس هذا أمر مكتسب، هذا أمر ضروري فطري؛ ولهذا لاحظوا النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سأل هذه الجارية، أعجمية لم تدرس لم تتعلم ترعى الغنم، فصكها سيدها ثم ندم؛ لأنه هناك ذئب جاء وعدى هذه الغنم، فأكل شاة فغضب وأسف، فصكها ثم ندم وأتىالنبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل الكفارة فقال: ائت بها إليّ، ثم سألها أين الله؟ قالت: في السماء من أنا؟ قال رسول الله: أعتقها فإنها مؤمنة كيف عرفت أن الله في السماء؟
ويمثل العلماء ويورد هذا شيخ الإسلام كثيرا، في قصة أبي جعفر الهمداني مع أبي المعالي الجويني، أبو المعالي الجويني معروف من أئمة الأشاعرة، وممن ينكر صفة العلو، كان يشرح للناس، يشرح لهم حديث , كان الله ولم يكن شيئا معه، أو كان الله ولا عرش - ويقرر نفي صفة العلو، فقام أبا جعفر الهمداني، وقال له: يا شيخ دعنا من هذا كله، دعنا من هذه الأدلة التي توردها، وهذه الشبه، ومن هذه الاحتمالات، لكن أخبرنا عن شيء واحد أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما قال عارف قط يا الله إلا توجه إلى السماء، لم يلتفت يمينا ولا يسارا، فضرب أبا المعالي رأسه، وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني، ونزل. ما استطاع أن يجيب عن هذا الأمر الفطري.
وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- في دائرة عرض العقل والنقل، قال: كان عندي أحد هذه الشيوخ المنكرين لصفة العلو، يريد حاجة فأخرته، أخره عن وقته، ثم بدأ يتشاغل عنه في أمور، يقول: لما ضاق ذرعا رفع بصره إلى السماء، وقال: يا الله يعني كالمتذمر، يقول: فقلت له: لمن ترفع بصرك، أنت تنكر صفة العلو، تنكر أن يكون في العلو، أن يكون الله في العلو، فقال: أستغفر الله، أستغفر الله، يقول الشيخ: فقل سبحان الله، الآن تغالط فطرتك، فبينت له فعرف الحق، فرجع إليه، إذن هذه الفطرة هي من أقوى الأدلة، تسأل الصغير الصبي الذي لم يتعلم، فتقول: أين الله فيقول لك: في السماء، هذا الكافر الذي لا يؤمن بالله حقيقة، إذا نزلت به شدة يتوجه إلى السماء ضرورة.