أخبر الله - عز وجل - أن في الجنة أنهار من لبن، ونحن نعلم ما هو اللبن، ليس كالعسل وليس كالماء، لكن حقيقة هذا اللبن الله أعلم به. إذا كان نوع من أنواع ماء الجنة من شرب منه لم يظمأ أبدا، فما الظن بالعسل ؟ ما الظن بالخمر ؟ ما الظن باللبن؟ الشاهد أن حقيقة حقائق هذه الأمور الأشياء مما استأثر الله بعلمه. نعم.
وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به ونفهم من الكلام ما قُصد إفهامنا فها هنا إياه كما قال -تعالى: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) } وقال -تعالى: { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ } (2) (1فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه.وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهما كانوا إذا تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا،..
وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس -رضي الله عنهما- من فاتحته إلى خاتمته، أقف عند كل آية أسأله عنها، وقال الشعبي: ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها، وقال مسروق: ما قال أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه، وهذا باب واسع قد بسط في موضعه.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) - سورة محمد آية: 24.
(2) - سورة المؤمنون آية: 68.