ثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف اصطلاحهم, أوهمت الغِر ما يوهمه السراب للعطشان, ازداد إيمانا وعلما بما جاء به الكتاب والسنة, فإن الضد يُظهر حسن الضد , وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيما, وبقدره أعرف.
ــــــــــــ
نعم. هم اعتمدوا على هذه الألفاظ الفضفاضة، هذه الألفاظ الطويلة نعم التي لبّسوا بها على بعض الناس؛ ولهذا يقول الشيخ: إذا رآها من لم يعرف اصطلاحهم أوهمت الغِرّ الذي هو يغفل؛ جاهل نعم ما يوهمه السراب للعطشان، يتوقع أن هذا السراب ماء فإذا جاءه لم يجده شيئا. يتوقع أن هذا فعلا براهين, وأن هذه قواعد كلية, وأن هذه قواعد عقلية مسلمة, وهي في الحقيقة لا شيء، أوهام، شبه.
"ازداد إيمانا"هذا جواب قوله: ثم إن كان قد خبر نهايات إقدام العقول ازداد إيمانا. هذا جواب ازداد إيمانا وعلما بما جاء به الكتب والسنة, فإن الضد يظهر حسن الضد, وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيما وبقدره أعرف. نعم.
فأما المتوسط من المتكلمين فيخاف عليه ما لا يخاف على من لم يدخل فيه, وعلى من قد أنهاه نهايته, فإن من لم يدخل فيه فهو في عافية, ومن أنهاه قد عرف الغاية, فما بقي يخاف من شيء آخر, فإذا ظهر له الحق وهو عطشان إليه قَبِلَهُ، وأما المتوسط فمتوهّم بما تلقاه من المقالات المأخوذة تقليدا لِمُعَظّمِه وتهويلا.
ــــــــــــ
نعم. هذا موقف الناس عموما تجاه علم الكلام ثلاثة أقسام: قسم لم يدخل في هذا العلم؛ فهو في عافية, وهو أغلب الناس ولله الحمد والمنة. وقسم دخل فيه, وبلغ نهايته وتبين له.... أيش؟ أنه لا يهدي إلى حق, وأنه كالجاري خلف السراب, وذكر الشيخ في أول الكتاب أمثلة لبعض أساطين من هؤلاء؛ فالجويني هو القائل أو المتمثل بـ:
سيرت طرفي بين تلك المعالم على ذقن أو قارعا سن نادم لعمري لقد طفت المعاهد كلها فلم أرى إلا واضعا كف حائر