فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 612

ثم ذكر دليلا على ذلك: أنه لا يمكن للعقل, ولا يمكن للنفوس أن تصل إلى حقيقة ذلك, بقوله: أو لم تعلم أن الله -تعالى- لما تجلى للجبل تدكدك؛ وذلك في قصة موسى -عليه السلام-, لما قال: { رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } (1) إذا كان هذا الجبل بصلابته وقوته ما استطاع أن يصمد لله - عز وجل - فما الظن بهذا المخلوق؟ لا يمكن لعقل المخلوق, ولا لخيال المخلوق, أن يتصور حقيقة هذا الرب -سبحانه وتعالى-؛ لعظم هيبته, وشامخ سلطانه, فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك؛ كذلك لا توهمه أحد إلا هلك. بمعنى: لو جاء الإنسان, وأراد أن يتوهم صفات الله - عز وجل - أن يتوهم استواء الله - عز وجل - بصر الله -عز وجل-؛ لهلك, بمعنى: لأنه شبه الخالق بالمخلوق, ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد هلك, فرد بما بين الله, يعنى: يخاطب هذا المتكلم, أو المكلم.

يقول: فرد بما بين الله في كتابه من نفيه عن نفسه التشبيه والمثل والنظير والكفء. بمعنى: إذا سنح في عقلك هذا التشبيه؛ فمباشرة ارجع إلى هذه الأدلة الصريحة النافية عن الله - عز وجل - التمثيل والتشبيه ونحو ذلك. نعم.

فإن اعتصمت به, وامتنعت منه, أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب -تبارك وتعالى وتقدس- في كتابه, وسنة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال لك: إذا كان موصوفا بكذا, أو وصفته, أوجب لك التشبيه. فأكذبه؛ لأنه اللعين إنما يريد أن يستذلك ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفات الرب -تعالى-.

(1) - سورة الأعراف آية: 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت