انتبهوا إذا افترقت الأمة فاعتصموا بهذين الحبلين، ومن اعتصم بهما فلن يضل، وفي رواية: قالوا: يا رسول الله، من هي هذه الفرقة الناجية؟ صِفها، جلِّها لنا، قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي .
هذه الرواية جاءت من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وهو ضعيف، لكن لها شواهد تتقوى بها، الشاهد: أن من أراد النجاة في باب الاعتقاد وغير باب الاعتقاد فعليه أن يلزم الكتاب والسنة، ويلزم منهج أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - .
فهلا قال: من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة، وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين.
ــــــــــــــــــــــ
نعم، يقول: ما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة؛ لأنه بعد القرون الثلاثة انتشرت مقالة المعطلة وظهرت البدع وتوسعت؛ ولهذا قال الشيخ: وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين على يد الجعد بن درهم فبدايتها كانت في أواخر عصر التابعين، لكن متى انتشرت هذه المقالة وصار لها مُنَظِّرُوها ولها من يدافع وينافح ويحاجج عنها بعد انقضاء القرون الثلاثة.
ثم أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين؛ لأن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه . وقد قيل: إن الجعد أخذقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم . وكان الجعد هذا -فيما قيل- من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة، بقايا أهل دين النمرود من الكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم.
ــــــــــــــــــــــ