نعم، عاد المؤلف ليؤكد في الرد على هؤلاء المفوضة الذين يقولون: إن نصوص الأسماء والصفات لا يعلم أحد معناها، وأن معناها لا يعلمه إلا الله، قال: فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، أي: حقائق الأمور، وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به، بمعنى: إذا خاطبنا الله - عز وجل - بأن في الجنة قصورا وحورا وأنهارا فيها لبن وعسل وماء، يُفهم هذا أو لا يفهم ؟ يفهم، لكن حقيقته هي الغائبة.
كذلك إذا أخبرنا عن نفسه أنه سميع بصير وأنه مستو على العرش، وأن له رحمة وأنه يغضب وأنه يجيء يوم القيامة وأنه ينزل كل ليلة، نحن نفهم هذه المعاني، فنفرق بين السمع والبصر، ونعلم أن السمع يختلف عن البصر، كما أنا أن القدرة تختلف عن الإرادة، والنزول يختلف عن الصعود والعلو يختلف عن السفول .
ثم أورد المؤلف الدليل على أن كل ما في القرآن مفهوم المعنى، وأن ما خوطبنا به نفهم معناه، ورد على هؤلاء المفوضة الذين زعموا أن في القرآن ما لا يفهم معناه، استدل عليهم بقوله أو بالآيات التي فيها الأمر
بتدبر القرآن، فقال -تعالى: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) } (1) { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ } (2) { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ } (3) { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } (4) { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) } (5) .
(1) - سورة محمد آية: 24.
(2) - سورة المؤمنون آية: 68.
(3) - سورة النساء آية: 82.
(4) - سورة النساء آية: 82.
(5) - سورة ص آية: 29.