فالله أمر بتدبر القرآن أم بتدبر بعض القرآن ؟ نعم يا جماعة. هذه الآيات عامة أمرنا بتدبر القرآن كله، ولم يستثن من ذلك شيئا، ولو كان في القرآن ما لا يفهم معناه لكان الأمر بتدبره من باب اللغو الذي لا فائدة منه، بل من باب التعجيز ومن باب التكليف بما لا يطاق.
وهذا ينزه الله - عز وجل - عنه، كيف تأمرني بتدبر كلام لا أفهم معناه؟ هذا فيه تعجيز للعباد فيه تكليف لهم بما لا يستطيعون؛ لأن التدبر مستلزِم للفهم فإذا جئتني بكلام أعجمي وأنا لا أعرف حرفا من حروف كلام الأعاجم، ثم قلت لي: تدبر هذا الكلام، كان أمرك لي لغوا، أيش أتدبر كلاما ما أفهمه! لا بد أولا أن أفهم الكلام ثم أتدبر معناه .
فإذا أمرنا الله - عز وجل - بتدبر القرآن ولم يستثن من ذلك شيءئا، وفي مقدمة ذلك ما تضمن أسماءه وصفاته دل هذا على أن نصوص الصفات مفهومة المعاني أو غير مفهومة المعاني؟ مفهومة المعاني.
ثم استدل أيضا بأثر أبي عبد الرحمن السلمي الذي رواه الإمام أحمد وابن جرير والحاكم وصحح إسناده، قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن من الصحابة؛ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا -أي كان الصحابة- إذا تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا.
الشاهد من الأثر: أن الصحابة تلقوا هذا القرآن وتعلموه من النبي - صلى الله عليه وسلم - دون استثناء، فهموا معانيه وطبقوا
أوامره، امتثلوا أوامره وانتهوا عن نواهيه، فجمعوا بين العلم والعمل ولم يذكروا أن هناك آيات في القرآن أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يضربوا عنها صفحا، قال: يتجاوزونها؛ هذه لا يفهم معناها، هذا كما يقوله هؤلاء المفوضة.