الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- ولم يقل أحد منهم، أي من سلف هذه الأمة من الصحابة، أو من التابعين أو من تابعيهم، ولا عن أحد من الأئمة المشهورين، لم يقل أحد قط منهم، أن الله ليس في السماء، كما يقوله هؤلاء النفاة، الذين ينفون عن الله صفة العلو، فلم يؤثر عن أحد من هؤلاء السلف أنه أشار إلى إقرار مذهب هؤلاء النفاة، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه بذاته في كل مكان، القول الأول إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش.
هذا مذهب جمهور نفاة العلو، جمهور المعطلة، ولا أنه بذاته في كل مكان، هذا مذهب الحلولية غالبا، ما ينتشر هذا المذهب عند أهل التصوف، الغلاة من الصوفية يزعمون أن الله حال في كل مكان، وأنه بذاته في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، بمعنى لا يقال: أنه فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل.
وهذا مذهب غلاة النفاة، وكان يقول به الفلاسفة قديما، ثم تبعهم على هذا المذهب متأخر الأشاعرة، ومتأخر الأشاعرة قالوا بذلك؛ للفرار من إلزام أهل السنة لهم بالدليل العقلي، على إثبات صفة العلو، وذلك أن أهل السنة قالوا لهم: هل الله - عز وجل - لما خلق هذا العالم خلقه داخل ذاته، أو خارج ذاته، القسمة العقلية تقول إما أن يكون خلق هذا العالم داخل ذاته، أو خلقه خارج ذاته، هل هناك قسمة ثالثة؟ وهذا ما أورده الإمام أحمد -رحمه الله- في الرد على الجهمية.
فالجواب عقلا أن الله خلق هذا العالم خارج ذاته سبحانه، فإذا كان خلقه خارج ذاته فلا بد أن يكون عاليا عليهم؛ لأن هذه الجهة هي أشرف الجهات بالنسبة له، لما ووجهوا بهذا الدليل العقلي، يعني أنتم تعرفون أنهم سلطوا التأويل على الأدلة النقلية، وردوا كثيرا من الأحاديث المثبتة لصفة العلو؛ بحجة أنه آحاد، لكن الآن هذا دليل عقلي، وأنتم تقولون بالعقل، فقالوا: إذن نقول: أن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، سبحان الله، هل يمكن للعقل أن يتصور موجود، لا داخل العالم ولا خارجه، إذن أين هو؟ ولا متصل بالعالم ولا منفصل بهذا العالم، إذن أين هو؟ ولهذا هم فروا من تشبيه الله U بالموجودات، فشبهوه، يا ليتهم شبهوه بالعدم، شبهوه بأعظم المعدومات وهو الممتنع، معروف أن المعدوم ينقسم إلى قسمين، ممكن الوجود، وممتنع الوجود، فممكن الوجود مثلا هذا الكأس قبل صناعته معدوم، ولا موجود؟ معدوم، ويمكن وجوده ولا ممكن؟ يمكن وجوده.
طيب كون هذا الكأس لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، هذا أمر ممتنع، والممتنع يمثل له العلماء بالجمع بين النقيضين، أو رفع النقيضين، النقيضان هما اللذان لا يجتمعان معا، ولا يرتفعان معا، مثل الوجود والعدم، والحياة والموت، يعني لا يمكن أن يكون الشيء لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، فلا بد من أحد هذين النقيضين، بخلاف الضدين، الضدان هما اللذان لا يجتمعان، لكن ربما يرتفعان معا، مثل السواد والبياض، لا يكون الشيء أسود أبيض في آن واحد، لكن ربما لا يكون لا أسود ولا أبيض، أحمر أصفر واضح. فعندنا كون الله U لا داخل العالم، ولا خارجه، هذا رفع للنقيضين، وهذا من أعظم الممتنعات عقلا.
فهم الآن فروا كونهم ما وصفوا الله U بالعلو؛ خشية الوقوع في التشبيه بماذا؟ بالموجودات فشبهوا الله U بأعظم الممتنعات، وهذا هو غاية الضلال والانحراف، نسأل الله السلامة.
يا إخوان، لاحظوا قد يقول عاقل، قد يقول إنسان: هل يمكن لشخص يؤمن بهذا الشيء، نعم. هؤلاء فطاحل أئمة، ومع ذلك لما تقول: هل الله داخل العالم أو خارجه، يقول لك: لا داخل العالم ولا خارجه، هذا العقل معاشر الإخوة الذي أعطاه الله الإنسان، وميز الله به الإنسان على سائر الكائنات؛ ليكون سببا لهدايته؛ ولهذا نقرأ كثيرا في القرآن