فهل كان نور المؤمن الّذي أطفأ لهب النّار في لظى إلاّ الّذي صحبه في الدّنيا الّذي لن يمرّ من أطاعها وعصى؟! فليطفىء هذا النّور لهب البلوى، ولتجد برد صبرك وموافقتك للمولى، وهيّج ما حلّ بك من ذلك النّور ومنك دنا، فالبليّة لم تأتك لتهلكك، لكنّها تأتيك لتجرّبك، وتحقّق صحّة إيمانك وتوثّق (1) عروة يقينك، ويبشّرك باطنها من مولاك بمباهاته بك. قال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ (2) حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا (3) أَخْبارَكُمْ} [محمد:31] .
فإن ثبت مع الحقّ (4) إيمانك، ووافقته في فعله بيقينك، كلّ ذلك بتوفيق منه ومنّة، فكن حينئذ أبدا صابرا موافقا مسلّما، لا تحدث فيك ولا في غيرك حادثة ما خرج عن الأمر والنّهي، فإذا كان أمره عزّ وجلّ فتسامع وتسارع وتحرّك ولا تسكن ولا تسلّم للقدر والفعل، بل ابذل طوقك ومجهودك لتؤدّي الأمر، فإن عجزت فدونك الالتجاء إلى مولاك عزّ وجلّ، فالتجىء إليه وتضرّع واعتذر، وفتّش عن سبب عجزك عن أداء أمره وصدّك عن التشوّق لطاعته لعلّ ذلك لشؤم دعائك وسوء أدبك في طاعته، ورعونتك واتّكالك على حولك وقوّتك، وإعجابك بعلمك وشركك إيّاك (5) بنفسك وخلقه، فصدّك عن بابه، وعز لك عن طاعته وخدمته، وقطع عنك مدد توفيقه، وولّى عنك وجهه الكريم، ومقتك وقلاك، وشغلك ببلائك: دنياك، وهواك، وإرادتك، ومناك.
أما تعلم أنّ كلّ ذلك مشغول عن ذلك، وقاطعك عن عين الّذي خلقك وربّاك، وخوّلك وأعطاك وحباك (6) .
-التميمي. وهو أيضا: يعلى بن منية، وهي أمّه، ويقال: جدّته، وهي منية بنت غزوان أخت عتبة بن غزوان. أسلم يوم فتح مكة، وشهد الطائف وحنينا وتبوك مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وروى عنه.
1)تحرف في المطبوع إلى: (وتوثيق) .
2)نختبركم بالجهاد وغيره.
3)نظهر.
4)في نسخة: (الخلق) .
5)في نسخة: إياه.
6)تحرف في المطبوع إلى: (حياك) .