الظّلمات إلى النّور، ويخلفون الأنبياء في تهذيب النّفوس وتجديد الصّلة بالله تعالى، والتّذكير بالآخرة، وإيثارها على الدّنيا، وتجريد التّوحيد وإخلاص الدّين لله تعالى، وذلك كلّه من أهمّ مقاصد بعثة الأنبياء ومن معظم أهدافهم، ولا يمكن أن يبقى الإسلام كدين ونظام خلقيّ وأسلوب للحياة ودعوة مؤثّرة حتّى يكون له دعاة مجدّدون من هذا الطّراز.
لقد كانت وطأة الحكومة الّتي كان على رأسها الملوك والمسلمون الّذين يتسمّون بالخلفاء شديدة على المجتمع الإسلاميّ، ولقد كان للمسلمين اندفاع قويّ إلى الجاهليّة، ولقد كانت هذه الأوضاع خطرا كبيرا على الإسلام وعلى المزاج الإسلاميّ، فكان المجتمع الإسلاميّ المحاط بهذه الأخطار في حاجة شديدة إلى مصلح دينيّ ومجدّد إسلاميّ من الطّبقة الأولى، يحارب الجاهليّة الّتي تسرّبت إلى الإسلام، في عاصمتها، وفي أوجها، وينفخ روحا إيمانيّة جديدة في هذا العالم المنهار.
لقد وجد هذا المصلح في شخص الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ، الّذي ظهر في بغداد في آخر القرن الخامس، وتسلّم الزّعامة الدّينيّة، وعاش نحو قرن فردا فريدا في الدّعوة إلى الله، والتفّ حوله العالم الإسلاميّ، وأثّر فيه تأثيرا لم يؤثّر مثله عالم أو مصلح من مدّة طويلة.
ولد الشّيخ عبد القادر سنة 470 هفي جيلان، ينتهي نسبه إلى الحسن بن عليّ - رضي الله تعالى عنهما -.
دخل بغداد سنة 488 هـ، وله ثماني عشرة سنة، وهي السّنة الّتي خرج فيها أبو حامد الغزاليّ من بغداد تاركا لتدريس النّظاميّة، زاهدا في الدّنيا طالبا للمعرفة واليقين (1) ، وأقبل إلى العلم بهمّة عالية وجدّ وحرص، ولم يعقه شغفه بالعبادة والاشتغال بالله عن الاشتغال بالعلم، ولم يرض بالقناعة في العلم والاقتصار على القليل الّذي لا بدّ منه.
1)البداية والنهاية (12/ 149) .