الأحوال قبض كلّها، لأنّه يؤمر الوليّ بحفظها وكلّ ما يؤمر بحفظه فهو قبض، والقيام مع القدر بسط كلّه، لأنّه ليس هناك شيء يؤمر بحفظه سوى كونه موجودا في القدر، فعليه أن لا ينازع في القدر بل يوافق ولا ينازع في جميع ما يجري عليه ممّا يحلو ويمرّ، الأحوال معدودة فأمر بحفظ حدودها، والفضل الّذي هو القدر غير محدود فيحفظ.
وعلامة أنّ العبد دخل مقام القدر والفعل والبسط أنّه يؤمر بالسّؤال في الحظوظ بعد أن أمر بتركها والزّهد فيها، لأنّه لمّا خلا باطنه من الحظوظ ولم يبق فيه غير الرّبّ عزّ وجلّ بوسط، فأمر بالسّؤال والتّشهّي وطلب الأشياء الّتي هي قسمه، ولا بدّ من تناولها والتّوصّل إليه بسؤاله، ليتحقّق كرامته عند الله عزّ وجلّ ومنزلته، وامتنان الحقّ عزّ وجلّ عليه بإجابته إلى ذلك. والإطلاق بالسّؤال في عطاء الحظوظ من أكثر علامات البسط بعد القبض، والإخراج من الأحوال والمقامات والتّكليف في حفظ الحدود.
فإن قيل: هذا يدلّ على زوال التّكليف والقول بالزّندقة والخروج من الإسلام، وردّ قوله عزّ وجلّ: {وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] . قيل: لا يدلّ على ذلك ولا يؤدّي إليه، بل الله أكرم ووليّه أعزّ عليه من أن يدخله في مقام النّقص والقبيح في شرعه ودينه، بل يعصمه من جميع ما ذكر ويصرفه عنه ويحفظه وينبّهه ويسدّده لحفظ الحدود، فتحصل العصمة وتتحفّظ الحدود من غير تكليف منه ومشقّة، وهو عن (1) ذلك في غيبة في القرب.
قال عزّ وجلّ: {كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] . وقال عزّ وجلّ: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ} [الحجر:42 والإسراء:65] . وقال تعالى: {إِلّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ} [الصافات:40 و74 و128 و160] .
1)في المطبوع: (على) .