فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 291

المقالة الثّانية والأربعون في بيان حالتي النّفس

النّفس لها حالتان لا ثالث لهما (1) :

1 -حالة عافية،

2 -وحالة بلاء.

فإذا كانت في بلاء فالجزع والشّكوى والسّخط والاعتراض والتّهمة للحقّ جلّ وعلا لا صبر ولا رضا ولا موافقة، بل سوء الأدب والشّرك بالحقّ والأسباب والكفر.

وإذا كانت في عافية فالشّره والبطر واتّباع الشّهوات واللّذّات، كلّما نالت شهوة طلبت أخرى، واستحقرت ما عندها من النّعم من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح ومسكون ومركوب، فتخرج لكلّ واحدة من هذه النّعم عيوبا ونقصا، وتطلب أعلى منها وأسنى ممّا لم يقسم لها، وتعرض عمّا قسم لها، فيرتكب الغمرات ويخوض المهالك في تعب طويل لا غاية له ولا منتهى في الدّنيا، ثمّ في العقبى، كما قيل: إنّ من أشدّ العقوبات طلب ما لا يقسم.

وإذا كانت في بلاء لا تتمنّى سوى انكشافها وتنسى كلّ نعيم وشهوة ولذّة ولا تطلب شيئا منها، فإذا عوفيت منها رجعت إلى رعونتها وشرهها وبطرها وإعراضها عن طاعة ربّها وانهماكها في معاصيه، وتنسى ما كانت فيه من أنواع البلاء والضّرّ وما حلّ بها من الويل، لمّا اجترحت وركبت من العظائم فطما لها وكفّا عن المعاصي في المستقبل، إذ لا تصلح لها العافية والنّعمة بل حفظها في البلاء والبؤس، فلو أحسنت الأدب عند انكشاف البليّة ولازمت الطّاعة والشّكر والرّضا بالمقسوم لكان خيرا لها دنيا وأخرى، وكانت تجد زيادة في النّعيم والعافية والرّضا من الله عزّ وجلّ والطّيبة والتّوفيق، فمن أراد السّلامة في الدّنيا والأخرى

1)في نسخة: (لها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت