فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 291

المقالة الخامسة والأربعون في النّعمة والابتلاء

إنّ النّاس رجلان:

1 -منعم عليه،

2 -ومبتلى بما قضى ربّه عزّ وجلّ.

فالمنعم عليه لا يخلو من المعصية والتّكدّر فيما أنعم عليه، فهو في أنعم ما يكون من ذلك إذ جاء القدر بما يكدّره عليه من أنواع البلايا من الأمراض والأوجاع والمصائب في النّفس والمال والأهل والأولاد فيتّعظ بذلك، فكأنّه لم ينعم عليه قطّ وينسى ذلك النّعيم وحلاوته.

وإن كان الغنيّ قائما بالمال والجاه والعبيد والإماء والأمن من الأعداء، فهو في حال النّعماء كأن لا بلاء في الوجود، كلّ ذلك لجهله بمولاه عزّ وجلّ وبالدّنيا.

فلو علم أنّ مولاه عزّ وجلّ: {فَعّالٌ لِما يُرِيدُ} [هود:107 والبروج:16] ، يبدّل، ويحلّي ويمرّ، ويغني ويفقر، ويرفع ويخفض، ويعزّ ويذلّ، ويحيي ويميت، ويقدّم ويؤخّر. لما اطمأنّ إلى ما به من النّعيم، ولما اغترّ به، ولما أيس من الفرج في حالة البلاء.

وبجهله أيضا بالدّنيا اطمأنّ إليها وطلب بها صفاء لا يشوبه كدر، ونسي أنّها دار بلاء وتنغيص، وتكاليف وتكدير، وأنّ أصلها بلاء وطارفها (1) نعماء، فهي كشجرة الصّبر أوّل ثمرتها مرّ وآخرها شهد حلو، لا يصل المرء إلى حلاوتها حتّى يتجرّع مرارتها، فلن يبلغ إلى الشّهد إلاّ بالصّبر على المرّ، فمن صبر على بلائها حلّي له نعيمها، إنّما يعطى الأجير أجره بعد عرق جبينه وتعب جسده وكرب روحه وضيق صدره وذهاب قوّته وإذلال نفسه وكسر هواه

1)أي: مستحدث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت