فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 291

المقالة الحادية والخمسون في الزّهد

الزّاهد يثاب بسبب الأقسام مرّتين: يثاب في تركها أوّلا، فلا يأخذها بهواه وموافقة النّفس، بل يأخذها بمجرّد الأمر، فإذا تحقّقت عداوته لنفسه ومخالفته لهواه عدّ من المحقّقين (1) وأهل الولاية وأدخل في زمرة الأبدال والعارفين فأمر (2) حينئذ بتناولها والتّلبّس بها، إذ هي قسمة لا بدّ له منها لم تخلق لغيره، جفّ بها القلم وسبق بها العلم، فإذا امتثل الأمر فتناول أو اطّلع بالعلم فتلبّس بها بجريان القدر والفعل فيه من غير أن يكون هو فيه، لا هوى ولا إرادة ولا همّة أثيب بذلك ثانيا، هو ممتثل للأمر بذلك أو موافق لفعل الحقّ عزّ وجلّ فيه.

فإن قال قائل: كيف أطلقت القول بالثّواب لمن هو في المقام الأخير الّذي ذكرته من أنّه أدخل في زمرة الأبدال والعارفين المفعول فيهم، الفانين عن الخلق والأنفس والأهوية والإرادات والحظوظ والأمانيّ والأعواض على الأعمال الّذين يرون جميع طاعاتهم وعباداتهم فضلا من الله عزّ وجلّ ونعمة ورحمة وتوفيقا وتيسيرا منه عزّ وجلّ ويعتقدون أنّهم عبيد الله عزّ وجلّ، والعبد لا يستحقّ على مولاه حقّا، إذ هو برمّته مع حركاته وسكناته وأكسابه ملك لمولاه، فكيف يقال في حقّه: يثاب، وهو لا يطلب ثوابا ولا عوضا على فعله ولا يرى له عملا، بل يرى نفسه من البطّالين وأفلس المفلسين من الأعمال؟.

فنقول: صدقت، غير أنّ الله عزّ وجلّ يواصله بفضله ويدلّله بنعمه ويربّيه بلطفه ورأفته وبرّه ورحمته وكرمه، إذ كفّ يده عن مصالح نفسه وطلب الحظوظ لها وجلب النّفع إليها ودفع الضّرّ عنها، فهو كالطّفل الرّضيع الّذي لا حراك له في مصالح نفسه، وهو مدلّل

1)تحرف في المطبوع إلى: (المحقين) .

2)في المطبوع: (أمر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت