كلّما جاهدت نفسك وغلبتها وقتلتها بسيف المخالفة أحياها الله، ونازعتك وطلبت منك الشّهوات واللّذّات الجناح منها والمباح، لتعود إلى المجاهدة والمسابقة ليكتب لك ثوابا دائما، وهو معنى قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (1) .
أراد مجاهدة النّفس لدوامها واستمرارها على الشّهوات واللّذّات، وانهماكها في المعاصي، وهو معنى قوله عزّ وجلّ: {وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] .
أمر الله عزّ وجلّ لنبيّه (2) صلّى الله عليه وسلم بالعبادة وهي مخالفة النّفس، لأنّ العبادة كلّها تأباها النّفس
1)رواه البيهقي في الزهد الكبير (373) عن علي بن أحمد بن عبدان، عن أحمد بن عبيد، عن تمام، عن عيسى بن إبراهيم، عن يحيى بن يعلى، عن ليث، عن عطاء، عن جابر قال: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم قوم غزاة، فقال صلّى الله عليه وسلم: «قدمتم خير مقدم من جهاد الأصغر إلى جهاد أكبر» . قيل: وما الجهاد الأكبر؟. قال: «مجاهدة العبد هواه» . وقال البيهقي: هذا فيه ضعف.
ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (13/ 493) عن واصل بن حمزة بن علي بن أحمد بن نصر أبي القاسم الصوفي البخاري، عن أبي سهل عبد الكريم بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان البخاري، عن خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام، عن أبي عبد الله محمد بن حاتم بن نعيم، عن أبيه، عن عيسى بن موسى، عن الحسن بن هاشم، عن يحيى بن أبي العلاء قال: حدثنا ليث، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر قال: قدم النبي صلّى الله عليه وسلم من غزاة له، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «قدمتم خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» . قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟! قال: «مجاهدة العبد هواه» . قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (1572) : إسناد ضعيف.
وقال المزي في تهذيب الكمال (2/ 144) : قال النسائي: أخبرني صفوان بن عمرو قال: حدثنا محمد بن زياد أبو مسعود من أهل بيت المقدس قال: سمعت إبراهيم بن أبي عبلة وهو يقول لمن جاء من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: يا أبا إسماعيل، وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب. وانظر سير أعلام النبلاء للذهبي (6/ 325) وجامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب (1571) .
2)في نسخة: (بنبيه) .