فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 291

المقالة السّادسة عشرة في التوكّل ومقاماته

ما حجبت عن فضل الله والبدء بنعمة إلاّ لاتّكالك على الخلق والأسباب، والصّنائع والاكتساب.

فالخلق حجابك (1) عن الأكل بالسّنّة وهو الكسب (2) ، فما دمت قائما مع الخلق راجيا لعطاياهم وفضلهم، سائلا لهم، متردّدا إلى أبوابهم، فأنت مشرك بالله خلقه، فيعاقبك بحرمان الأكل بالسّنّة الّذي هو الكسب من حلال الدّنيا.

ثمّ إذا تبت عن القيام مع الخلق، وشركك بربّك عزّ وجلّ إيّاهم، ورجعت إلى الكسب فتأكل بالكسب وتتوكّل على الكسب وتطمئنّ إليه وتنسى فضل الرّبّ عزّ وجلّ، فأنت مشرك أيضا، إلاّ أنّه شرك خفيّ أخفى من الأوّل، فيعاقبك الله عزّ وجلّ ويحجبك عن فضله والبداءة به.

فإذا تبت عن ذلك وأزلت الشّرك عن الوسط، ورفعت اتّكالك عن الكسب والحول والقوّة، ورأيت الله عزّ وجلّ هو الرّزّاق، وهو المسبّب والمسهّل والمقوّي على الكسب، والموفّق لكلّ خير، والرّزق بيده تارة يواصلك به بطريق الخلق على وجه المسألة لهم في حالة الابتلاء أو الرّياضة أو عند سؤالك له عزّ وجلّ، وأخرى بطريق الكسب معاوضة، وأخرى من فضله مبادأة من غير أن ترى الواسطة والسّبب، فرجعت إليه واستطرحت بين يديه، ورفع الحجاب بينك وبين فضله، وباداك وغذّاك بفضله عند كلّ حاجة على قدر ما يوافق حالك، كفعل الطّبيب الشّفيق الرّقيق الحبيب للمريض حماية منه عزّ وجلّ، وتنزيها

1)قال عبد الله بن أبي الحسن الجبّائي كما في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي (20/ 450) : كان الشيخ عبد القادر يقول: الخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربّك. وانظر شذرات الذهب لابن العماد (4/ 200) .

2)تحرف في المطبوع إلى: (المكسب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت