لا تخلو حالتك: إمّا أن تكون بليّة أو نعمة.
فإن كانت بليّة فتطالب فيها بالتّصبّر، وهو الأدنى، والصّبر وهو أعلى منه، ثمّ الرّضا والموافقة، ثمّ الفناء، وهو للأبدال.
وإن كانت نعمة فتطالب فيها بالشّكر عليها، والشّكر باللّسان والقلب والجوارح:
أمّا باللّسان: فالاعتراف بالنّعمة أنّها من الله عزّ وجلّ، وترك الإضافة إلى الخلق لا إلى نفسك وحولك وقوّتك وكسبك ولا إلى غيرك من الّذين جرت على أيديهم، لأنّك وإيّاهم أسباب وآلات وأداة لها، وإنّ قاسمها ومجريها وموجدها والشّاغل فيها والمسبّب لها هو الله عزّ وجلّ، والقاسم هو الله، والمجري هو، والموجد هو، فهو أحقّ بالشّكر من غيره.
لا نظر إلى الغلام (الحمّال) للهديّة إنّما النّظر إلى الأستاذ المنفّذ المنعم بها، قال الله تعالى في حقّ من عدم هذا المنظر (1) : {يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ} [الروم:7] . فمن نظر إلى الظّاهر والسّبب ولم يجاوز علمه ومعرفته فهو الجاهل النّاقص قاصر العقل، إنّما سمّي العاقل عاقلا لنظره في العواقب.
وأمّا الشّكر بالقلب: فبالاعتقاد الدّائم، والعقد الوثيق الشّديد المنبرم.
إنّ جميع ما بك من النّعم والمنافع واللّذّات في الظّاهر والباطن في حركاتك وسكناتك من الله عزّ وجلّ لا من غيره، ويكون شكرك بلسانك معبّرا عمّا في قلبك، وقد قال عزّ وجلّ: {وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل:53] . وقال تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً} [لقمان:20] . وقال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ عليكم لا تُحْصُوها} [إبراهيم:34 والنحل:18] . فمع هذا لا يبقى لمؤمن منعم سوى الله تعالى.
1)في نسخة: (النظر) .