فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 291

المقالة الأربعون متى يصحّ السّالك أن يكون في زمرة الرّوحانيّين؟

لا تطمع أن تدخل في زمرة الرّوحانيّين حتّى تعادي جملتك، وتباين جميع الجوارح والأعضاء، وتنفرد عن وجودك وحركاتك وسكناتك وسمعك وبصرك وكلامك وبطشك وسعيك وعملك وعقلك، وجميع ما كان منك قبل وجود الرّوح فيك وما أوجد فيك بعد نفخ الرّوح، لأنّ جميع ذلك حجابك عن ربّك عزّ وجلّ، فإذا صرت روحا منفردة، سرّ السّرّ، غيب الغيب، مباينا للأشياء في سرّك، متّخذا للكلّ عدوّا وحجابا وظلمة، كما قال إبراهيم الخليل عليه السّلام: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلّا رَبَّ الْعالَمِينَ} [الشعراء:77] قال ذلك للأصنام، فاجعل أنت جملتك وأجزاءك أصناما مع سائر الخلق، فلا تطع شيئا من ذلك ولا تتّبعه جملة، فحينئذ تؤمن على الأسرار والعلوم اللّدنيّة وغرائبها، ويرد إليك التّكوين وخرق العادات الّتي هي من قبيل القدرة الّتي تكون للمؤمنين في الجنّة، فتكون في هذه الحالة كأنّك أحييت بعد الموت في الآخرة فتكون كلّيّتك قدرة، وتسمع بالله، وتنطق بالله، وتبصر بالله، وتبطش بالله، وتسعى بالله، وتعقل بالله، وتطمئنّ وتسكن بالله، فتعمى عن سواه وتصمّ عنه، فلا ترى لغيره وجودا مع حفظ الحدود والأوامر والنّواهي، فإن انخرم فيك شيء من الحدود فاعلم أنّك مفتون متلاعبة بك الشّياطين، وارجع إلى حكم الشّرع ودع عنك رأي الهوى، لأنّ كلّ حقيقة لم تشهد لها الشّريعة فهي زندقة. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت