فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 291

ثمّ إذا لم يجد عند الخالق نصرة، استطرح بين يديه مديما للسّؤال والدّعاء والتّضرّع والثّناء، والافتقار مع الخوف منه والرّجاء.

ثمّ يعجزه الخالق عزّ وجلّ عن الدّعاء ولم يجبه، حتّى ينقطع عن جميع الأسباب، فحينئذ ينفذ فيه القدر، ويفعل الفعل، فيفنى العبد عن جميع الأسباب والحركات، فيبقى روحا فقط، فلا يرى إلاّ فعل الحقّ عزّ وجلّ، فيصير موقنا موحّدا ضرورة، ويقطع أن لا فاعل في الحقيقة إلاّ الله، ولا محرّك ولا مسكّن إلاّ الله، ولا خير ولا شرّ، ولا ضرّ ولا نفع، ولا عطاء ولا منع، ولا فتح ولا غلق، ولا موت ولا حياة، ولا عزّ ولا ذلّ، ولا غنى ولا فقر، إلاّ بيد الله. فيصير حينئذ كالطّفل الرّضيع في يد الظّئر، والميت الغسيل في يد الغاسل، والكرة في صولجان الفارس، يقلّب ويغيّر ويبدّل ويكوّن، ولا حراك به في نفسه ولا في غيره، هو غائب عن نفسه في فعل مولاه، فلا يرى غير مولاه وفعله، ولا يرى سواه، ولا يسمع ولا يعقل من غيره، إن أبصر فلصنعة أبصر، وإن سمع وعلم فلكلامه سمع، ولعلمه علم، وبنعمته تنعّم، وبقربه سعد، وبتقرّبه تزيّن وتشرّف، وبوعده طاب وسكن، وبه اطمأنّ، وبحديثه أنس، وعن غيره استوحش ونفر، وإلى ذكره التجأ وركن، وبه عزّ وجلّ وثق، وعليه توكّل، وبنور معرفته اهتدى وتقمّص، وتسربل» (1) .

ويقول في مقالة أخرى: «العبد إذا عرف الله عزّ وجلّ سقط الخلق من قلبه، وتناثروا عنه كما يتناثر الورق اليابس من الشّجر، فيبقى بلا خلق في الجملة، يعمى عن رؤيتهم، ويصمّ عن سماع كلامهم من حيث قلبه وسرّه» (2) .

وقد كان - رحمة الله عليه - عطوفا، شفيقا، رفيقا بالأمّة المحمّديّة وعامّة النّاس، دائم الدّعوة والدّعاء لهم، يرقّ قلبه، ويرثي لضعفائهم والمشتغلين بما لا ينفعهم في الآخرة،

1)فتوح الغيب (المقالة الثالثة) .

2)الفتح الرباني (المجلس السادس والخمسون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت