اجعل آخرتك: رأس مالك، ودنياك: ربحه، واصرف زمانك أوّلا في تحصيل آخرتك، ثمّ إن فضل من زمانك شيء اصرفه في دنياك وفي طلب معاشك.
ولا تجعل دنياك: رأس مالك، وآخرتك: ربحه، ثمّ إن فضل من الزّمان فضلة صرفتها في آخرتك تقضي فيها الصّلوات تسبكها سبيكة واحدة ساقطة الأركان، مختلفة الواجبات من غير ركوع ولا سجود (1) وطمأنينة بين الأركان، أو يلحقك التّعب والإعياء فتنام عن القضاء جملة، جيفة في اللّيل بطّالا في النّهار، تابعا لنفسك وهواك وشيطانك، وبائعا آخرتك بدنياك عند (2) النّفس ومطيّتها ومركبها، وأمرت بركوبها وتهذيبها ورياضتها والسّلوك بها في سبيل السّلامة - وهي طرف الآخرة - وطاعة مولانا عزّ وجلّ، فظلمتها بقبولك منها، وسلّمت زمانها إليها وتبعتها في شهواتها ولذّاتها وموافقتها وشيطانها وهواها ففاتك خير الدّنيا والآخرة وخسرتهما فدخلت القيامة أفلس النّاس وأخسرهم دينا ودنيا، وما وصلت بمتابعتها إلى أكثر من قسمك من دنياك، ولو سلكت طريق الآخرة وجعلتها رأس مالك ربحت الدّنيا والآخرة، ووصل (3) إليك قسمك من الدّنيا هنيئا مريئا وأنت مصون مكرم، كما قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إنّ الله يعطي الدّنيا على نيّة الآخرة، ولا يعطي الآخرة على نيّة الدّنيا» (4) .
1)في نسخة: (وسجود) .
2)في نسخة: (عبد) .
3)في المطبوع: (ووصلت) .
4)رواه ابن المبارك في الزهد (549) ومن طريقه القضاعي في مسند الشهاب (1108) عن عيسى بن سبرة المدني قال: حدثني من سمع أنس بن مالك، يحدث عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة، وأبى أن يعطي الآخرة على نية الدنيا» .
ورواه القضاعي (1109) من طريق أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، عن ابن أبي العنبس، عن أحمد بن أسد البجلي أبي عاصم ابن بنت مالك بن مغول، عن عبد الله بن المبارك، عن ابن -