فمن دخل حصن الملك فجاز الباب الأوّل ثمّ الثّاني والثّالث حتّى قرب من سدّته، خير ممّن وقف على الباب الأوّل الّذي يلي البرّ، فإنّه إن أغلق عنه غلق الباب الثّالث لم يضرّه وهو من وراء بابين من أبواب القصر ومن دونه حرّاس الملك وجنده.
وأمّا إذا كان على الباب الأوّل فأغلقوا عنه بقي في البرّ وحده، فأخذته الذّئاب والأعداء وكان من الهالكين، فهكذا من سلك العزيمة ولازمها، إن سلب عنه مدد التّوفيق والرّعاية وانقطعت عنه حصل على الرّخص ولم يخرج عن الشّرع، فإذا أدركته المنيّة كان على العبادة والطّاعة ويشهد له بخير العمل، ومن وقف على الرّخص ولم يتقدّم إلى العزيمة إن سلب عنه التّوفيق - فقطعت عنه أمداده، فغلب الهوى عليه وشهوات النّفس، فتناول الحرام - خرج من الشّرع فصار في زمرة الشّياطين أعداء الله عزّ وجلّ الضّالّين عن سبيل الهدى، فإن أدركته المنيّة قبل التّوبة كان من الهالكين إلاّ أن يتغمّده الله تعالى برحمته وفضله، فالخطر في القيام مع الرّخص، والسّلامة كلّ السّلامة مع العزيمة، والله الهادي إلى سواء الطّريق.