فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 291

المقالة الرّابعة عشرة في اتّباع أحوال القوم

لا تدع حالة القوم يا صاحب الهوى، أنت تعبد الهوى وهم عبيد المولى، أنت رغبتك في الدّنيا ورغبة القوم في العقبى، أنت ترى الدّنيا وهم يرون ربّ الأرض والسّماء، وأنت أنسك بالخلق وأنس القوم بالحقّ، أنت قلبك متعلّق بمن في الأرض وقلوب القوم بربّ العرش، أنت يصطادك من ترى وهم لا يرون من ترى، بل يرون خالق الأشياء وما يرى، فاز القوم به وحصلت لهم النّجاة، وبقيت أنت مرتهنا بما تشتهي من الدّنيا وتهوى، فنوا عن الخلق والهوى والإرادة والمنى فوصلوا إلى الملك الأعلى، فأرفقهم على غاية ما رام منهم من الطّاعة والحمد والثّناء ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [المائدة:54 والحديد:21 والجمعة:4] .

فلازموا ذلك وواظبوا بتوفيق منه وتيسير بلا عناء، فصارت الطّاعة لهم روحا وغذاء، وصارت الدّنيا إذ ذاك في حقّهم نقمة وخزيا، فكأنّها لهم جنّة المأوى إذ ما يرون شيئا من الأشياء حتّى يروا قبله فعل الّذي خلق وأنشأ فيهم ثبات الأرض والسّماء، وقرار الموت والإحياء، إذ جعلهم مليكهم أوتادا للأرض الّتي دحى (1) ، فكلّ (2) كالجبل الّذي رسا، فتنحّ عن طريقهم ولا تزاحم من لم يحده (3) عن قصده الآباء والأبناء، فهم خير من خلق ربّي وبثّ في الأرض وذرأ، فعليهم سلام الله وتحيّاته ما دامت الأرض والسّماء.

1)قال الله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها} [النازعات:30] .

2)في نسخة: (فكن) .

3)تحرف في المطبوع إلى: (يفده) . ولعلّ المقصود: يبعده ويحرفه عن قصده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت