أوّل ما ينظر العاقل في صفة نفسه وتركيبه، ثمّ في جميع المخلوقات والمبدعات فيستدلّ بذلك على خالقها ومبدعها، لأنّ فيه دلالة على الصّانع وفي القدرة المحكمة آية على الحكيم، فإنّ الأشياء كلّها موجودة به.
وفي معناه ما ذكر عن ابن عبّاس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية:13] . فقال: في كلّ شيء اسم من أسمائه، واسم كلّ شيء من اسمه، فإنّما أنت بين أسمائه وصفاته وأفعاله، باطن بقدرته وظاهر بحكمته، ظهر بصفاته وبطن بذاته، حجب الذّات بالصّفات، وحجب الصّفات بالأفعال، وكشف العلم بالإرادة، وأظهر الإرادة بالحركات، وأخفى الصّنع والصّنيعة، وأظهر الصّنيعة بالإرادة، فهو باطن في غيبه وظاهر في حكمته وقدرته: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) } [الشورى:11] .
و لقد أظهر في هذا الكلام من أسرار المعرفة ما لا يظهر إلاّ من {كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ} [النور:35] ، أمره برفع يد العصمة: «اللهمّ فقّهه في الدّين وعلّمه التأويل» (2) .
1)رواه ابن جرير في جامع البيان (25/ 143) عن محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ. يقول: كل شيء هو من الله، وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعا منه، ولا ينازعه فيه المنازعون، واستيقن أنه كذلك. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 34) لابن جرير.
وقال ابن قيّم الجوزية في الفوائد (الفصل 145 بتحقيقي) : قال ابن عبّاس: حجب الذّات بالصّفات، وحجب الصّفات بالأفعال. فما ظنّك بجمال حجب بأوصاف الكمال، وستر بنعوت العظمة والجلال؟.
2)رواه الإمام أحمد (2397 و2879 و3032 و3102) وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه بهذا اللفظ. -