إذا كنت في حالة لا تختر غيرها أعلى منها ولا أدنى، فإذا كنت على باب دار الملك لا تختر الدّخول إلى الدّار حتّى تدخل إليها جبرا لا اختيارا.
وأعني بالجبر: أمرا عنيفا متأكّدا متكرّرا، ولا تكتف بمجرّد إذن في الدّخول، لجواز أن يكون ذلك مكرا وخديعة من الملك، لكن اصبر حتّى تجبر على الدّخول، فتدخل الدّار جبرا محضا وفضلا من الملك، فحينئذ لا يعاقبك الملك على فعله، إنّما تتعرّض العقوبة لك لشؤم تخيّرك وشرهك، وقلّة صبرك وسوء أدبك، وترك الرّضا بحالتك الّتي أقمت فيها، فإذا حصلت فكن مطرقا غاضّا لبصرك، متأدّبا، محافظا لما تؤمر به من الشّغل والخدمة فيها غير طالب للتّرقّي إلى الذّروة العليا.
قال الله عزّ وجلّ: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى} [طه:131] .
فهذا تأديب منه عزّ وجلّ لنبيّه المختار صلّى الله عليه وسلم في حفظ الحال، والرّضا بالعطاء بقوله:
{وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى} . أي: ما أعطيتك من الخير والنّبوّة والعلم والقناعة والصّبر وولاية الدّين، والعزوة (1) فيه أولى ممّا أعطيت غيرك وأحرى، فالخير كلّه في حفظ الحال والرّضا بها، وترك الالتفات إلى ما سواها، لأنّه لا يخلو: إمّا أن يكون قسمك، أو قسم غيرك، أو أنّه لا قسم لأحد بل أوجده الله فتنة.
فإن كان قسمك وصل إليك، شئت أم أبيت، فلا ينبغي أن يظهر منك سوء الأدب والشّره في طلبه، فإنّ ذلك غير محمود في قضيّة العلم والعقل.
وإن كان قسم غيرك، فلا تتعب فيما لم تناله، ولا يصل إليك أبدا.
1)في المطبوع: (والعروة) .