اجعل الخير والشّرّ ثمرتين من غصنين من شجرة واحدة، أحد الغصنين يثمر حلوا والآخر مرّا، فاترك البلاد والأقاليم ونواحي الأرض الّتي يحمل إليها هذه الثّمرة المأخوذة من هذه الشّجرة، وابعد منها ومن أهلها، واقترب من الشّجرة وكن سائسها وخادمها القائم عندها.
واعرف الغصنين والثّمرتين والجانبين، فكن إلى جانب الغصن المثمر حلوا، فحينئذ يكون غذاؤك وقوّتك منها، واجتنب أن تتقدّم (1) إلى جانب الغصن الآخر فتأكل من ثمرته فتهلك من مرارتها، فإذا دمت على هذا كنت في دعة وأمن وراحة وسلامة من الآفات كلّها، إذ الآفات وأنواع البلايا تتولّد من تلك الثّمرة المرّة، وإذا غبت عن تلك الشّجرة وهمت في الآفاق وقدّم بين يديك من تلك الثّمرتين وهي مختلطة غير متميّزة الحلوة (2) من المرّة هنا فتناولت منها، فربّما وقعت يدك على المرّة فأدنيتها من فيك فأكلت منها جزءا ومضغته، فسرت المرّة إلى أعماق لهواتك وباطن حلقك ودماغك وخياشيمك، فعملت فيك وسرت في عروقك وأجزاء جسدك فهلكت بها، ولفظك الباقي من فيك وغسل أثره لا ينفع ولا يدفع عنك ما قد سرى في جسدك ولا نفعك (3) ، وإن أكلت ابتداء (4) من الثّمرة الحلوة وسرت حلاوتها في أجزاء جسدك وانتفعت بها وسررت، فلا يكفيك ذلك، فلا بدّ تتناول غيرها ثانيا، فلا تأمن أن تكون الثّانية من المرّة فيحلّ بك ما ذكرته لك، فلا خير في البعد عن الشّجرة والجهل بثمرتها، والسّلامة في قربها والقيام معها.
فالخير والشّرّ بفعل الله عزّ وجلّ، والله هو فاعلهما ومجريهما.
1)في المطبوع: (تقدم) .
2)في نسخة: (الحلو) .
3)في المطبوع: (ينفعك) .
4)في المطبوع: (غذاء) .