قرأ العلوم السّائدة في عصره على أساتذتها الكبار والمبرّزين فيها وأتقنها ومهر فيها، وحصلت له فيها اليد الطّولى.
أبو الوفاء ابن عقيل، ومحمّد بن الحسن الباقلاّنيّ، وأبو زكريّا التّبريزيّ.
وأخذ الطّريقة عن الشّيخ أبي الخير حمّاد بن مسلم الدّبّاس (1) ، وأكملها عند القاضي أبي سعد (2) المخرّميّ، وحصلت له الإجازة عنه.
عني الشّيخ عبد القادر - بعد ما أتمّ دراسته العلميّة والرّوحيّة - بالإصلاح وإرشاد الخلق إلى الحقّ، وجمع بين الرّياسة الدّينيّة والرّئاسة العلميّة، وكان أبو سعد قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج، ففوّضت إليه، وتكلّم مع النّاس بلسان الوعظ، وظهر له صيت، فضاقت مدرسته بالنّاس من ازدحامهم: فجلس للنّاس عند السّور أيّاما، ثمّ وسّعت بما أضيفت إليها من المنازل والأمكنة الّتي حولها، وبذل الأغنياء في عمارتها أموالهم، وعمل الفقراء فيها بأنفسهم، واكتملت المدرسة في سنة ثمان وعشرين وخمس مئة، وصارت منسوبة إليه وتصدّر بها للتّدريس والفتوى والوعظ، مع الاجتهاد في العلم والعمل، وجمع الله قلوب عباده على حبّه، وألهج ألسنتهم بالثّناء عليه، وانتهت إليه رئاسة العلم والتّربية والإصلاح والإرشاد والدّعوة إلى الله بالعراق، وقصده النّاس من الآفاق، ورزقه الله من الوجاهة والقبول ما أزرى بوجاهة الملوك والسّلاطين، وهابه الخلفاء والملوك والوزراء فمن دونهم.
1)قال الشعراني: انتهت إليه رياسة تربية المريدين، وانتهى إليه معظم مشايخ بغداد وصوفيتهم في وقته، توفي سنة 525 هـ.
2)في المطبوع: (سعيد) . خطأ. وهو المبارك بن علي بن الحسين، قال عنه ابن كثير: سمع الحديث، وتفقه على مذهب أحمد، وناظر وأفتى ودرس، وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، سديد الأقضية، توفي سنة 511 هـ.