كن مع الله عزّ وجلّ كأن لا خلق، ومع الخلق كأن لا نفس، فإن كنت مع الله عزّ وجلّ بلا خلق وجدت، وعن الكلّ فنيت، وإذا كنت مع الخلق بلا نفس عدلت واتّقيت (1) ، ومن التّبعات سلمت، واترك الكلّ على باب خلوتك، وادخل وحدك تر مؤنسك في خلوتك بعين سرّك، وتشاهد ما وراء العيان، وتزول النّفس ويأتي مكانها أمر الله وقربه، فإذا جهلك علم، وبعدك قرب، وصمتك ذكر، ووحشتك أنس.
يا هذا، ما ثمّ إلاّ خلق وخالق، فإن اخترت الخالق فقل لهم: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلّا رَبَّ الْعالَمِينَ} [الشعراء:77] .
ثمّ قال رضي الله عنه وأرضاه (2) : من ذاق عرف! فقيل له: من غلبت عليه مرارة صفرته كيف يجد حلاوة الذّوق؟ فقال: يتعمّل في الشّهوات من قبله بقصد وتكلّف.
يا هذا، المؤمن إذا عمل صالحا انقلبت نفسه قلبا وأدرك مدركات قلب، ثمّ انقلب قلبه سرّا ثمّ انقلب الفناء فصار وجودا وبقاء.
ثمّ قال رضي الله عنه وأرضاه:
الأحباب يسعهم كلّ باب.
يا هذا، الفناء إعدام الخلائق، وانقلاب طبعك عن طبع الملائكة، ثمّ الفناء عن طبع الملائكة، ثمّ لحوقك بالمنهاج الأوّل، وحينئذ يسقيك ربّك ما يسقيك، ويزرع فيك ما يزرع.
1)في المطبوع: (وبقيت) .
2)أي: الشيخ عبد القادر - رحمه الله -.