المقالة الحادية والأربعون مثل في الفناء (1) وكيفيّته
نضرب لك مثلا في الفناء (2) ، فنقول:
ألا ترى أنّ الملك يولّي رجلا من العوامّ ولاية على بلدة من البلاد، ويخلع عليه ويعقد له ألوية ورايات، ويعطيه الكؤوس والطّبل والجند فيكون على ذلك برهة من الزّمان، حتّى إذا اطمأنّ واعتقد بقاءه وثباته، وعجب به ونسي حالته الأولى ونقصانه وذلّه وفقره وخموله، وداخلته النّخوة والكبرياء جاءه العزل من الملك في أشرّ ما كان من أمره، ثمّ طالبه الملك بجرائم صنعها وتعدّى أمره ونهيه فيها، فحبسه في أضيق الحبوس وأشدّها، وطال حبسه ودام ضرّه وذلّه وفقره، وذابت نخوته وكبرياؤه، وانكسرت نفسه وخمدت نار هواه، وكلّ ذلك في عين الملك (وعلمه) .
ثمّ تعطّف الملك عليه فنظره بعين الرّأفة والرّحمة، فأمر بإخراجه من الحبس والإحسان إليه، والخلعة عليه وردّ الولاية إليه ومثلها معها وجعلها له موهبة، فدامت له وبقيت مصفّاة مكفّاة مهنّأة.
وكذلك المؤمن إذا قرّبه الله واجتباه فتح قبالة عين قلبه باب الرّحمة والمنّة والإنعام، فيرى بقلبه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من مطالعة الغيوب من ملكوت السّماوات والأرض، وتقريب وكلام لذيذ لطيف ووعد جميل، ووفاء به، وإجابة دعاء وكلمات حكمة وتصديق وعد، فإنّها ترمى (3) إلى قلبه قذفا من مكان بعيد فتظهر لعلى لسانه، ومع ذلك يسبغ عليه نعمه ظاهرة على جسده وجوارحه، في المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح الحلال والمباح وحفظ الحدود والعبادات الظّاهرة،
1)تحرف في المطبوع إلى: (الغنى) .
2)تحرف في المطبوع إلى: (الغنى) .
3)في المطبوع: (ترمي) .