و قد كان يشعر بذلك ويحمد الله عليه، ويفضّله على ما كان يهواه من الخلوة بالله، والانقطاع عن الخلق والاشتغال بالعبادات.
قال الجبائيّ: قال لي سيّدنا الشّيخ: «أتمنّى أن أكون في الصّحارى والبراري كما كنت في الأوّل، لا أرى في الخلق ولا يرونني» ، ثمّ قال: «أراد الله عزّ وجلّ منّي منفعة الخلق، فإنّه قد أسلم على يديّ أكثر من خمسة آلاف من اليهود والنّصارى، وتاب على يديّ من العيّارين والمسالحة (1) أكثر من مئة ألف، وهذا خير كثير» (2) .
وكان الشّيخ يعتقد - بحقّ - أنّه مكلّف بذلك، مأمور به، يقول في المجلس: «سبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق، وجعله أكبر همّي، إنّي أنصح ولا أريد على ذلك جزاء؛ أجرتي قد حصلت لي عند ربّي عزّ وجلّ، ما أنا طالب دنيا، ما أنا عبد الدّنيا ولا الآخرة، ولا ما سوى الحقّ عزّ وجلّ، ما أعبد إلاّ الخالق الواحد الأحد القديم، فرحي بفلاحكم، وغمّي لهلاككم» (3) .
و لم يمنعه اشتغاله بالوعظ والإرشاد وتربية النّفوس من الاشتغال بالتّدريس، ونشر العلم ونصر السّنّة والعقيدة الصّحيحة، ومحاربة البدع، وقد كان في العقيدة والفروع متّبعا للإمام أحمد والمحدّثين والسّلف. قال ابن رجب: «كان متمسّكا في مسائل الصّفات والقدر ونحوهما بالسّنّة، مبالغا في الرّدّ على من خالفها» (4) .
وقد كان قويّ الاشتغال بالتّدريس، عالما متفنّنا. قالوا: كان يتكلّم في ثلاثة عشر علما، وكانوا يقرؤون عليه في مدرسته درسا من التّفسير، ودرسا من الحديث، ودرسا من المذهب، ودرسا من الخلاف، وكانوا يقرؤون عليه طرفي النّهار: التّفسير، وعلوم الحديث، والمذهب، والخلاف، والأصول، والنّحو.
1)المسالح: الجماعة، أو القوم ذوو السلاح.
2)قلائد الجواهر (ص 22) .
3)الفتح الربّاني (المجلس السادس) .
4)ذيل طبقات الحنابلة.