فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 291

المقالة الثّامنة عشرة في النّهي عن الشّكوى

الوصيّة: لا تشكونّ إلى أحد ما نزل بك من خير كائنا من كان صديقا أو عدوّا، ولا تتّهمنّ الرّبّ عزّ وجلّ فيما فعل فيك وأنزل بك من البلاء، بل أظهر الخير والشّكر، فكذبك بإظهارك للشّكر من غير نعمة عندك خير من صدقك في إخبارك جليّة الحال بالشّكوى، من الّذي خلا من نعمة الله عزّ وجلّ؟.

قال الله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها} [إبراهيم:34 والنحل:18] . فكم من نعمة عندك وأنت لا تعرفها؟.

لا تسكن إلى أحد من الخلق، ولا تستأنس به، ولا تطلع أحدا على ما أنت فيه، بل يكون أنسك بالله عزّ وجلّ وسكونك إليه، وشكواك منه وإليه لا ترى ثانيا، فإنّه ليس لأحد ضرّ ولا نفع، ولا جلب ولا دفع، ولا عزّ ولا ذلّ، ولا رفع ولا خفض، ولا فقر ولا غنى، ولا تحريك ولا تسكين، الأشياء كلّها خلق الله عزّ وجلّ وبيد الله عزّ وجلّ، بأمره وبإذنه (1) جريانها، و {كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [الرعد:2 وفاطر:13 والزمر:5] ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [الرعد:8] ، لا مقدّم لما أخّر، ولا مؤخّر لما قدّم، قال الله عزّ وجلّ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس:107] .

فإن شكوت منه عزّ وجلّ وأنت معافى وعندك نعمة، طالبا الزيادة، وتعاميا عن ماله عندك من النّعمة والعافية استهزاء بها، غضب عليك وأزالهما عنك، وحقّق شكواك، وضاعف بلواك، وشدّد عقوبتك ومقتك وقلاك، وأسقطك من عينه. احذر الشّكوى جدّا ولو قطّعت وقرض لحمك بالمقاريض.

1)في المطبوع: (وإذنه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت