و قد كانت الطّبقة الوسطى على أثر الأمراء والأغنياء، وكان العامّة والعملة والفلاّحون خاضعين لأخلاق الطّبقة الوسطى، يرون الشّرف في تقلّدها والتّشبّه بها، وكان الّذين يملكون وسائل الحياة والسّعة في المعيشة يستخدمونها في التّمتّع بالحياة وإرضاء الشّهوات.
أمّا الّذين حرموها، فكانوا يقضون حياتهم في تحسّر وتوجّع، ويعتبرون نفوسهم - مهما أوتوا من العلم والنّسب والأخلاق الفاضلة - أذلّ من الدّوابّ والأنعام. وكان أصحاب اليسار والأموال لا يعرفون الإيثار والعطف على الضّعفاء والبرّ بالفقراء، والشّكر على ما أكرمهم الله به من سعة ورخاء.
أمّا البؤساء والكادحون، فكانوا لا يعرفون الصّبر والرّضا، والألفة والإباء، وهكذا فقدت الحياة اتّزانها وهدوءها، وأصيبت بنوبة عصبيّة عنيفة، لا يرى إلاّ من سيطر على أموال عظيمة، وتسلّط على هلكتها واستغلالها للهوى والشّباب، أو الجاه والنّفوذ، وإلاّ من يحسد هذه الطّبقة ويعيش في هموم وغموم لا أرجاء لها، ولا تنتهي إلاّ مع الحياة، فلا دنيا يلهو بها ويقضي وطره، ولا دين يلتجىء إليه ويعتزّ به.
كان المجتمع الإسلاميّ - بكلّ ما ذكرناه - في حاجة ملحّة إلى دعوة دينيّة، تخفّف غلواء حبّ الدّنيا، وتحدّ من شدّته وحدّته، وتوقظ في النّفوس الإيمان، وتثير عقيدة الآخرة، وتحرّك في القلوب الحبّ لله والحنين إليه، وتحثّ على الطّموح وعلوّ الهمّة وبذل الجهد في الحصول على علم الله الصّحيح وعبادته، ونيل رضوانه والمسابقة في سبيله، وتدعو إلى التّوحيد الكامل، والدّين الخالص، دعوة صريحة مكشوفة، وتبيّن ضعف أهل الدّنيا وأصحاب الثّروة ورجال الحكومة وفقرهم، في قوّة ووضوح وثقة واعتداد بالنّفس، وأنّ الأسباب لا قوّة لها ولا تأثير، وأنّها مسخّرة خاضعة لإرادة الله تعالى يتصرّف فيها، ويملكها ويصرفها كيف يشاء.
يتّسم القرن الخامس في تاريخ الإسلام بسعة في العلم وتقدّم في الآداب، وقد نبغ فيه علماء كبار ومؤلّفون بارعون. وقد كان من رجال أواخر هذا القرن وأوائل القرن السّابع