إذا كنت ضعيف الإيمان واليقين، ووعدت بوعد وفّ بوعدك، ولا تخلف كيلا يزول إيمانك ويذهب يقينك. وإذا قوي ذلك في قلبك وتمكّنت خوطبت بقوله: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف:54] .
وتكرّر هذا الخطاب لك حالا بعد حال، فكنت من الخواصّ، بل من خواصّ الخواصّ، ولم يبق لك إرادة ولا مطلب، ولا عمل تعجب به، ولا قرابة (1) تراها، ولا منزلة تلمحها، فتسمو همّتك إليها، فصرت كالإناء المنثلم الّذي لا يثبت فيه مائع، فلا يثبت فيك إرادة ولا خلق ولا همّة إلى شيء من الأشياء دنيا وأخرى، وطهرت ممّا سوى الله
-ولهذا كان منهم من يموت فاسقا أو مسلوبا، وكلّهم ضلاّل جهّال.
وطائفة: تجعل الكمال في مجموع الأمرين، فيدخلون في أقوال وأعمال من الشرك والسحر، ليستعينوا بالشياطين على ما يطلبونه من الإخبار بالأمور الغائبة، وعلى ما ينفذ به تصرّفهم في العالم. وأمّا الحقّ المبين فهو أنّ كمال الإنسان في أن يعبد الله علما وعملا، كما أمره ربّه. وهؤلاء هم عباد الله، وهم المؤمنون والمسلمون، وهم أولياء الله المتّقون، وحزب الله المفلحون، وجند الله الغالبون، وهم أهل العلم النافع، والعمل الصالح، وهم الذين زكّوا نفوسهم وكمّلوها، كملوا القوّة النظرية العلمية، والقوة الإرادية العملية، كما قال تعالى: {وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ} [ص:45] ، وقال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى} [النجم:1 - 4] ، وقال تعالى: {اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِراطَ الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالِّينَ} [الفاتحة:6 - 7] ، وقال تعالى: {قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى} [طه:123] ، وقال تعالى: {أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } [البقرة:5] ، وقال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10] ، وقال تعالى: {إِلاَّ الَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3] .
وصلّى الله على محمّد النبي الأمّي وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا
1)في المطبوع: (قربة) .