فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 291

المقالة الرّابعة والخمسون فيمن أراد الوصول إلى الله تعالى وبيان كيفيّة الوصول إليه تعالى

من أراد الآخرة فعليه بالزّهد في الدّنيا

ومن أراد الله فعليه بالزّهد في الآخرة، فيترك دنياه لآخرته وآخرته لربّه.

فما دام في قلبه شهوة من شهوات الدّنيا، ولذّة من لذّاتها، وطلب راحة من راحتها من سائر الأشياء من مأكول أو مشروب وملبوس ومنكوح ومسكون ومركوب، وولاية ورياسة وطبقة في علم من فنون العلم من الفقه فوق العبادات الخمس، ورواية الحديث وقراءة القرآن بروايته، والنّحو واللّغة والفصاحة والبلاغة، وزوال الفقر ووجود الغنى وذهاب البليّة ومجيء العافية.

وفي الجملة: انكشاف الضّرّ، ومجيء النّفع، فليس بزاهد حقّا لأنّ كلّ واحد من هذه الأشياء فيه: لذّة النّفس، وموافقة الهوى، وراحة الطّبع، وحبّ له، وكلّ ذلك من الدّنيا وممّا يحبّب البقاء فيها ويحصّل السّكون والطّمأنينة إليها، فينبغي أن يجاهد في إخراج جميع ذلك عن القلب، ويأخذ نفسه بإزالة ذلك وقلعه والرّضا بالعدم والإفلاس والفقر الدّائم، فلا يبقى من ذلك مقدار مصّ نواة ليخلّص زهده في الدّنيا، فإذا تمّ له ذلك زالت الغموم والأحزان من القلب والكرب من الحشا، وجاءت الرّاحات والطّيب والأنس بالله كما قال صلّى الله عليه وسلم:

«الزّهد (1) في الدّنيا يريح القلب والجسد» (2) .

1)تحرف في المطبوع إلى: (الزاهد) .

2)رواه أبو نعيم في الحلية (6/ 288) عن أبي بكر بن مالك، عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال: حدثني علي بن مسلم، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك قال: قال عبد الله الداري، يا مالك، أبى علينا أهل العلم بالله والقبول عنه: أن يقبلوا من أهل الدنيا التقشف، وزعموا أن ذلك لا يليق بهم، ولا يحسن عليهم. قال: وسمعت عبد الله الداري يقول: كان أهل العلم بالله والقبول -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت