لا تقولنّ - يا فقير اليد، يا مزويّا (1) عنه الدّنيا وأبناؤها، يا خامل الذّكر بين ملوك الدّنيا وأربابها، يا جائع، يا نايع (2) ، يا عريان الجسد، يا ظمآن الكبد، يا مشتّتا في كلّ زاوية من الأرض من مسجد وبقاع خراب، ومردودا في كلّ باب، ومدفوعا عن كلّ مراد، ومنكسرا ومزدحما في قلبه كلّ حاجة ومرام:
إنّ الله أفقرني وزوى عنّي الدّنيا وغرّني، وتركني وقلاني وفرّقني ولم يجمعني وأهانني ولم يعطني من الدّنيا كفاية، وأخملني ولم يرفع ذكري بين الخليقة وإخواني، وأسبل على غيري نعمة منه سابغة يتقلّب فيها ليله ونهاره، وفضّله عليّ وعلى أهل دياري وكلانا مسلمان مؤمنان ويجمعنا أبونا آدم وأمّنا حوّاء - عليهما السّلام -.
أمّا أنت فقد فعل الله ذلك بك، لأنّ طينتك حرّة، وندى رحمة الله متدارك عليك من الصّبر والرّضا واليقين والموافقة والعلم، وأنوار الإيمان والتّوحيد متراكم لديك.
فشجرة إيمانك، وغرسها وبذورها ثابتة مكينة، مورقة مثمرة، متزايدة متشعّبة، غضّة مظلمة متفرّعة، فهي كلّ يوم في زيادة ونموّ، فلا حاجة بها إلى سباطة (3) وعلف لتنمى بها وتربى.
وقد فرغ الله عزّ وجلّ من أمرك على ذلك، وأعطاك في الآخرة دار البقاء وخوّلك فيها، وأجزل عطاءك في العقبى ممّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال الله تعالى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (4) } [السجدة:17] .
1)في المطبوع: (مولّي) .
2)في نسخة: (يا جائعا، يا نايعا) . وناع ينيع: مال. والنوائع من الغصون: الموائل.
3)السّباطة: الكناسة تطرح في أفنية البيوت.
4)رواه البخاري (3072) ومسلم (2824) عن أبي هريرة رفعه: «قال الله عزّ وجلّ: أعددت لعبادي -