المقالة الثّالثة والخمسون في الأمر بطلب الرّضا من (1) الله والفناء به تعالى
اطلبوا من الله عزّ وجلّ الرّضا أو الفناء، لأنّه هو الرّاحة الكبرى والجنّة العالية المنفردة في الدّنيا، وهو باب الله الأكبر وعلّة محبّة الله لعبده المؤمن، فمن أحبّه الله لم يعذّبه في الدّنيا والآخرة، فبه اللّحوق بالله عزّ وجلّ والوصول إليه.
ولا تشتغلوا بطلب الحظوظ وأقسام لم تقسم أو قسّمت، فإن كانت لم تقسم فالاشتغال بطلبها حمق ورعونة وجهالة، وهو أشدّ العقوبات، كما قيل: من أشدّ العقوبات طلب ما لا يقسم.
و إن كانت مقسومة فالاشتغال بها شره وحرص وشرك من باب العبوديّة والمحبّة الحقيقيّة، لأنّ الاشتغال بغير الله عزّ وجلّ شرك، وطالب الحظّ ليس بصادق في محبّته وولايته فمن احتاج مع الله غيره فهو كذّاب، وطالب العوض على عمله غير مخلص، وإنّما المخلص من عبد الله ليعطي الرّبوبيّة حقّها وتعبّده للمالكيّة والحقّيّة (2) ، لأنّ الحقّ عزّ وجلّ يملكه ويستحقّ عليه العمل والطّاعة له بحركاته وسكناته وسائر أكسابه، والعبد وما في يده ملك لمولاه، كيف وقد بيّنّا في غير موضع أنّ العبادات بأسرها نعمة من الله وفضل منه على عبده إذ وفّقه لها وأقدره عليها، فالاشتغال بالشّكر لربّه خير وأولى من طلبه من الأعواض أو الجزاء عليها.
ثمّ كيف تشتغل بطلب الحظوظ وقد ترى خلقا كثيرا كلّما كثرت الحظوظ عندهم وتواترت وتتابعت اللّذّات والنّعم والأقسام إليهم زاد سخطهم على ربّهم وتضجّرهم وكفرهم النعمة وكثرة همومهم وغمومهم، وفقرهم إلى أقسام لم تقسم غير ما عندهم وحقرت
1)في نسخة: (عن) .
2)تحرف في المطبوع إلى: (والحقيقة) .