احذر معصية الله عزّ وجلّ جدّا، والزم بابه حقّا، وابذل طوقك وجهدك في طاعته معتذرا متضرّعا مفتقرا خاضعا، متخشّعا مطرقا، غير ناظر إلى خلقه، ولا تابع لهواك، ولا طالب للأعواض دنيا وأخرى، ولا ارتقاء إلى المنازل العالية (1) والمقامات الشّريفة.
واقطع بأنّك عبده، والعبد وما ملك لمولاه، لا يستحقّ عليه شيئا من الأشياء.
وأحسن (2) الأدب ولا تتّهم مولاك، فـ {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ} [الرعد:8] ، لا مقدّم لما أخّر، ولا مؤخّر لما قدّم، يأتيك ما قدّر لك عند وقته وأجله إن شئت أو أبيت.
لا تشره على ما سيكون لك، ولا تطلب وتتلهّف (3) على ما هو لغيرك، فما ليس هو عندك لا يخلو: إمّا أن يكون لك، أو لغيرك.
فإن كان لك فهو إليك صائر وأنت إليه مقاد ومسيّر، فاللّقاء عن قريب حاصل.
وما ليس لك فأنت عنه مصروف، وهو عنك مولّ، فأنّى لكما التّلاق، فاشتغل بإحسان الأدب فيما أنت بصدده من طاعة مولاك عزّ وجلّ في وقتك الحاضر، ولا ترفع رأسك ولا تمل عنقك إلى ما سواه.
قال الله تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى} [طه:131] .
فقد نهاك الله عزّ وجلّ عن الالتفات إلى غير ما أقامك فيه ورزقك من طاعته وأعطاك من قسمه ورزقه وفضله. ونبّهك: أنّ ما سوى ذلك فتنة افتتنهم به.
1)في نسخة: (العليا) .
2)في نسخة: (أحسن) .
3)في المطبوع: (وتلهف) .