لا يزال الله يبتلي عبده المؤمن على قدر إيمانه، فمن عظم إيمانه وكثر وتزايد عظم بلاؤه.
والرّسول بلاؤه أعظم من بلاء النّبيّ؛ لأنّ إيمانه أعظم، والنّبيّ بلاؤه أعظم من بلاء البدل، وبلاء البدل أعظم من بلاء الوليّ.
كلّ واحد على قدر إيمانه ويقينه، وأصل ذلك قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إنّا معشر الأنبياء أشدّ النّاس بلاء، ثمّ الأمثل فالأمثل» (1) .
فيديم الله تعالى البلاء لهؤلاء السّادات الكرام حتّى يكونوا أبدا في الحضرة ولا يغفلوا عن اليقظة، لأنّه يحبّهم، فهم أهل المحبّة يحبّون الحقّ، والمحبّ أبدا لا يختار بعد محبوبه، فالبلاء خطّاف (2) لقلوبهم وقيد لنفوسهم، يمنعهم عن الميل إلى غير مطلوبهم، والسّكون والرّكون إلى غير خالقهم، فإذا دام ذلك في حقّهم ذابت أهويتهم وانكسرت نفوسهم، وتميّز الحقّ من الباطل، فتنزوي الشّهوات والإرادات، والميل إلى اللّذّات والرّاحات دنيا وأخرى بأجمعها إلى ما يلي النّفس ويصير السّكون إلى وعد الحقّ عزّ وجلّ، والرّضا بقضائه،
1)رواه الطيالسي (215) وابن سعد في الطبقات (2/ 209) والإمام أحمد (1/ 172 و173 174 و180 و185) والدارمي (2783) وعبد بن حميد (146) والترمذي (2398) وابن ماجة (4023) والنسائي في الكبرى (7481) والبزار في البحر الزخّار (1150 و1154) وأبو يعلى (830) وابن حبان (2900 و2901 و2920 و2921) والشاشي (69 و80) والحاكم (1/ 40 - 41 و41) والبيهقي في السنن (3/ 372) والشعب (9775) والضياء المقدسي في المختارة (1053 و1056 1059) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بألفاظ مقاربة. وله شواهد غيره. وبوّب البخاري رحمه الله في صحيحه: باب: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل. فتح الباري (10/ 111) .
2)كرمّان، كلّ حديدة حجناء (أي: معطوفة معوجّة) .