وكيف لا يكون كذلك؟ ونيّة الآخرة هي طاعة الله، لأنّ النّيّة روح العبادات وذاتها.
وإذا أطعت الله بزهدك في الدّنيا أو طلبك دار الآخرة كنت من خواصّ الله عزّ وجلّ وأهل طاعته ومحبّته، وحصلت لك الآخرة وهي الجنّة وجوار الله عزّ وجلّ وخدمتك الدّنيا، فيأتيك قسمك الّذي قدّر لك منها، إذ الكلّ تبع لخالقها ومولاها وهو الله عزّ وجلّ، وإن اشتغلت بالدّنيا وأعرضت عن الآخرة غضب الرّبّ عليك ففاتتك الآخرة وتعاصت الدّنيا عليك وتعسّرت وأتعبتك في إيصال قسمك إليك لغضب الله عزّ وجلّ عليك لأنّها مملوكته، تهين من عصاه وتكرم من أطاعه، فيتحقّق (1) حينئذ قوله صلّى الله عليه وسلم: «الدّنيا والآخرة ضرّتان، إن أرضيت إحداهما أسخطت عليك الأخرى» (2) .
-سيرين، عن أنس بن مالك إلا قد رفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة، وأبى أن يعطي الآخرة على نية الدنيا» . وذكره الديلمي في الفردوس (546) عن أنس بن مالك. وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (16/ 18 الشعب) : قال قتادة: إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا.
ورواه ابن أبي عمر العدني في الإيمان (64) من طريق مرة الهمداني، أن عبد الله بن مسعود حدّث: أنه سمع نبي الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي على نية الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه. والذي نفس محمد بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» . قلنا: يا نبي الله، وما بوائقه؟ قال: «غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا حراما فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدّق به فيتقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله عزّ وجلّ لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السييء بالحسن، إن الخبيث لا يمحوه الخبيث» .
1)في المطبوع: (فيحقق) .
2)رواه ابن المبارك في الزهد (594) ومن طريقه العقيلي في الضعفاء الكبير (3/ 11) وأبو نعيم في الحلية (4/ 51) . ورواه أبو نعيم (4/ 51) من طريق عبد الرزاق. كلاهما عن رباح بن زيد، عن عبد العزيز بن حوران قال: سمعت وهب بن منبه يقول: مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له ضرتان: إن أرضى أحدهما أسخط الأخرى. أقول: عبد العزيز بن حوران شيخ من أهل صنعاء. قال عنه هشام بن يوسف: كان ضعيفا، كان يشبه القصاص.
وروى ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (308) وأبو نعيم في الحلية (4/ 251) عن عون بن عبد الله قال: إن الدنيا والآخرة في قلب ابن آدم ككفتي الميزان، بقدر ما ترجح إحداهما تخفّ الأخرى.