فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 291

في خدمة مخلوق مثله، فلمّا تجرّع هذه المرائر كلّها أعقبت له طيب طعام وإدام وفاكهة ولباس وراحة وسرور ولو أقلّ قليلا (1) ، فالدّنيا أوّلها مرّة كالصّفحة العليا من عسل في ظرف مشوبة بمرارة، فلا يصل الآكل إلى قرار الظّرف ويتناول الخالص منه إلاّ بعد تناول الصّفحة العليا، فإذا صبر العبد على أداء أوامر الرّبّ عزّ وجلّ وانتهاء نواهيه، والتّسليم والتّفويض فيما يجري به القدر، وتجرّع مرائر ذلك كلّه وتحمّل أثقاله، وخالف هواه وترك مراده، أعقبه الله عزّ وجلّ بذلك طيب العيش في آخر عمره والدّلال والرّاحة والعزّة، ويتولاّه ويغذّيه كما يغذّى (2) الطّفل الرّضيع من غير تكلّف منه وتحمّل مؤنة وتبعة في الدّنيا والأخرى كما يتلذّذ آكل المرّ من الصّفحة العليا من العسل يأكله من قرار الظّرف، فينبغي للعبد المنعم عليه أن لا يأمن (من) مكر الله عزّ وجلّ (3) ، فيغترّ بالنّعمة ويقطع بدوامها، ويغفل عن شكرها ويرخي قيدها بتركه لشكرها.

قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «النّعمة وحشيّة فقيّدوها بالشّكر» (4) .

فشكر نعمة المال: الاعتراف بها للمنعم المتفضّل، وهو الله عزّ وجلّ، والتّحدّث بها لنفسه في سائر الأحوال، ورؤية فضله ومنّته عزّ وجلّ، وأن لا يتملّك (5) عليه ولا يتجاوز حدّه فيه، ولا يترك أمره فيه، ثمّ بأداء حقوقه من الزّكاة والكفّارة والنّذر والصّدقة، وإغاثة الملهوف، وافتقاد أرباب الحاجات وأهلها في الشّدائد عند تقلّب الأحوال وتبدّل الحسنات بالسّيّئات، أعني: ساعات النّعيم والرّخاء بالبأساء والضّرّاء، وشكر نعمة العافية في

1)تحرف في المطبوع إلى: (قليل) .

2)في نسخة: (يغذي) .

3)قال الله تعالى: {أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ} [الأعراف:99] .

4)ذكره بلفظه المناوي في فيض القدير (5/ 456) من قول بعض الحكماء.

وروى ابن أبي الدنيا في الشكر (27) وأبو نعيم في الحلية (5/ 340) والبيهقي في شعب الإيمان (4226) عن عمر بن عبد العزيز قال: قيدوا نعم الله بشكر الله.

ورواه في الشكر (58) والبيهقي في الشعب (4106) عن عمر قال: ذكر النعم شكرها.

وروى ابن المبارك في الزهد (1434) وابن أبي الدنيا في الشكر (33) والبيهقي في شعب الإيمان (4107) عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: أكثروا ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر.

5)في المطبوع: (يمتلك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت