الجوارح والأعضاء في الاستعانة بها على الطّاعات والكفّ عن المحارم والسّيّئات، والمعاصي والآثام، فذلك قيد النّعم عن الرّحلة والذّهاب.
وسقي شجرتها، وتنمية أغصانها وأوراقها، وتحسين ثمرتها، وحلاوة طعمها، وسلامة عاقبتها، ولذاذة مضغها، وسهولة بلعها، وتعقّب عافيتها وريعها في الجسد، ثمّ ظهور بركتها على الجوارح من أنواع الطّاعات والقربات والأذكار، ثمّ دخول العبد بعد ذلك في الآخرة في رحمة الله عزّ وجلّ، والخلود في الجنان مع {النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا} [النساء:69] . فإن لم يفعل ذلك واغترّ بما ظهر من زينة الدّنيا وبما ذاق من لذّاتها، واطمأنّ إلى بريق سرابها، وما لاح من برقها، وما هبّ من نسيم أوّل نهار قيظها، ونعومة جلود حيّاتها وعقاربها، وغفل وعمي عن سمومها القاتلة المودعة في أعماقها، ومكامنها ومصايدها المنصوبة لأخذه وحبسه وهلاكه، فليهنأ للرّدى، وليستبشر بالعطب والفقر العاجل، مع الذّلّ والهوان في الدّنيا والعذاب الآجل في النّار ولظى.
وأمّا المبتلى: فتارة يبتلى عقوبة ومقابلة لجريمة ارتكبها ومعصية اقترفها، وأخرى يبتلى تكفيرا وتمحيصا، وأخرى يبتلى لارتفاع الدّرجات وتبليغ المنازل العاليات ليلحق بأولي العلم من أهل الحالات والمقامات، ممّن (1) سبقت لهم عناية من ربّ الخليقة والبريّات، وسيّرهم مولاهم ميادين البليّات على مطايا الرّفق والألطاف، وروّحهم بنسيم النّظرات واللّحظات في الحركات والسّكنات، إذ لم يكن ابتلاهم للإهلاك والإهواء في الدّركات، ولكن اختبرهم بها اصطفاء واجتباء (2) ، واستخرج بها منهم حقيقة الإيمان وصفّاها وميّزها من الشّرك والدّعاوى والنّفاق، ونحّلهم بها أنواع العلوم والأسرار والأنوار، فجعلهم من الخلّص الخواصّ، ائتمنهم على أسراره، وارتضاهم لمجالسته.
قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «الفقراء الصّبّر: هم جلساء الرّحمن يوم القيامة» (3) .
1)في نسخة: (مما) .
2)في المطبوع: (للاصطفاء والاجتباء) .
3)قال الغزالي في الإحياء كما في الإتحاف (9/ 283) وانظر الأربعين في أصول الدين له (426 بتحقيقي) : روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إن لكلّ شيء -