ورؤيتك بشيء من الأشياء أو طلبك بشيء من الأشياء، وتشوّق نفسك إلى شيء من الأعواض (1) دنيا وأخرى.
فما دام فيك شيء من ذلك فأنت في باب الإفناء، فاسكن حتّى يحصل الفناء على التّمام والكمال، فتخرج من الكير وتكمّل صياغتك وتجلّى وتكسى وتطيّب وتبخّر، ثمّ ترفع إلى الملك الأكبر، فتخاطب بـ {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف:54] . فتؤانس وتلاطف، وتطعم من الفضل ومنه تسقى وتقرّب وتدنى وتطّلع على الأسرار وهي عنك لا تخفى، فتغنى بما تعطى من ذلك عن جميع الأشياء.
ألا ترى إلى قراضة الذّهب متفرّقة مبتذلة متداولة، غادية رائحة في أيدي العطّارين والبقّالين والقصّابين والدّبّاغين والنفّاطين (2) والكنّاسين والكفّافين، أصحاب الصّنائع النّفيسة والرّذيلة الدّنيّة الخبيثة، ثمّ تجمع فتجعل في كير الصّائغ (3) فتذوب هناك بإشعال النّار عليها، ثمّ تخرج منه فتطرق وترقّق وتطلع وتصاغ فتجعل حليّا، ثمّ تجلّى وتطيّب فتترك في خير المواضع والأمكنة من وراء الأغلاق في الخزائن والصّناديق والأحقاق (4) وتحلّى بها العروس وتزيّن وتكرّم، وقد تكون العروس للملك الأعظم. فتنقل القراضة (5) من هذه الأشياء إلى قرب الملك ومجلسه بعد السّبك والدّقّ.
هكذا أنت يا مؤمن إذا صبرت على مجاري الأقدار فيك ورضيت بالقضاء في جميع الأحوال قربت إلى مولاك عزّ وجلّ في الدّنيا، فتنعّم بالمعرفة والعلوم والأسرار، وتسكن في الآخرة دار السّلام مع الأنبياء والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين في جوار الله وداره وقربه عزّ وجلّ، فاصبر ولا تستعجل، وارض بالقضاء ولا تتّهم، فسينالك برد عفو الله ولطفه وكرمه بمنّه تعالى.
1)في نسخة: (الأعراض) .
2)تحرف في المطبوع إلى: (والنقاطين) . والنّفّاط: الذي يرمي بالنفط والنار بأداة من النحاس.
3)في المطبوع: (الصانع) .
4)جمع حقّة، وهي: وعاء يوضع فيه الطيب.
5)تحرف في المطبوع إلى: (القراصنة) .