معزل عمّا العالم فيه، فإذا رأيته وقد دخل السّوق فسألته عمّا رأى في السّوق؟ يقول: ما رأيت شيئا، نعم قد رأى الأشياء لكن قد رآها ببصر رأسه لا ببصر قلبه، ونظرة فجاءة لا نظرة (1) شهوة، نظر صورة لا نظر معنى، نظر الظّاهر لا نظر الباطن، فبظاهره ينظر إلى ما في السّوق، وبقلبه ينظر إلى ربّه عزّ وجلّ إلى جلاله تارة وإلى جماله تارة أخرى.
ومنهم من إذا دخل السّوق امتلأ قلبه بالله عزّ وجلّ رحمة لهم (2) ، فتشغله الرّحمة لهم عن النّظر إلى ما لهم وبين (3) أيديهم، فهو من حين دخوله إلى حين خروجه في الدّعاء والاستغفار، والشّفاعة لأهله، والشّفقة والرّحمة (4) ، (فقلبه محترق) عليهم ولهم، وعينه مغروقة (5) (لأجلهم) ، ولسانه في ثناء وحمد لله عزّ وجلّ بما أولى الكافّة من نعمه وفضله.
فهذا يسمّى: شحنة البلاد والعباد، وإن شئت سمّيته: عارفا وبدلا وزاهدا وعالما غوثا (6) وبدلا محبوبا مرادا، ونائبا في الأرض على عباده، وسفيرا وجهبذا ونفّاذا وهاديا ومهديّا ودالاّ ومرشدا فهذا هو الكبريت الأحمر وبيضة العقعق (7) . رضوان الله عليه وعلى كلّ مؤمن مريد لله وصل إلى انتهاء المقام، والله الهادي.
1)في نسخة (ونظر فجاءة لا نظر) .
2)في نسخة (امتلأ قلبه بالله لأهله) .
3)في نسخة: (ما لهم بين) .
4)في نسخة: (حين خروجه في دعاء واستغفار، وشفاعة لأهله، وشفقة ورحمة) .
5)في المطبوع: (مغزورة) .
6)تحرف في المطبوع إلى: (غيبا) .
7)العقعق: طائر أبلق بسواد وبياض، يشبه صوته العين والقاف.