وقال لأولاده: أبعدوا من حولي، فإنّي معكم بالظّاهر، ومع غيركم بالباطن.
وقال: قد حضر عندي غيركم فأوسعوا لهم، وتأدّبوا معهم، هاهنا رحمة عظيمة، ولا تضيّقوا عليهم المكان.
وكان يقول: وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته، غفر الله لي ولكم، وتاب الله عليّ وعليكم، بسم الله غير مودّعين. قال ذلك يوما وليلة.
وقال: ويلكم! أنا لا أبالي بشيء لا بملك ولا بملك الموت. يا ملك الموت، منح لنا من يتولاّنا سواك. وصاح صيحة عظيمة، وذلك في اليوم الّذي مات في عشيّته.
وأخبرني ولداه عبد الرّزّاق وموسى: أنّه كان يرفع يديه ويمدّهما، ويقول: وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته، توبوا وادخلوا في الصّفّ، هو ذا أجيء إليكم.
وكان يقول: ارفقوا، ثمّ أتاه الحقّ وسكرة الموت.
وقال رضي الله عنه وأرضاه: بيني وبينكم وبين الخلق كلّهم بعد ما بين السّماء والأرض، فلا تقيسوني بأحد، ولا تقيسوا عليّ أحدا. ثمّ سأله ولده عبد العزيز عن ألمه وحاله؟. فقال: لا يسألني أحد عن شيء، ها أنا أتقلّب في علم الله عزّ وجلّ.
وقد سأله ولده عن مرضه؟ فقال له: إنّ مرضي لا يعلمه أحد ولا يعقله أحد: إنسيّ، ولا جنّيّ، ولا ملك، وما ينقض علم الله بحكم الله، الحكم يتغيّر والعلم لا يتغيّر، الحكم ينسخ والعلم لا ينسخ: يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرعد:39] . ولا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء:23] . أخبار الصّفات تمرّ كما جاءت.
وسأله ولده عبد الجبّار: ماذا يؤلمك من جسمك؟ فقال: جميع أعضائي تؤلمني إلاّ قلبي، فما به ألم، وهو صحيح مع الله عزّ وجلّ، ثمّ أتاه الموت، فكان يقول: استعنت بلا إله إلاّ الله سبحانه وتعالى، وهو الحيّ الّذي لا يموت، ولا يخشى الفوت، سبحان من تعزّز بالقدرة وقهر العباد بالموت، لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله. ثمّ خرجت روحه الكريمة رضي الله عنه وأرضاه (1) .
1)آخر كتاب فتوح الغيب.