فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 291

-يرد ما يحبّه الله ورسوله، أراد ما لا يحبّه الله ورسوله، لكن إذا جاهد نفسه على ترك ما تهواه [في نسخة: يهواه] بقي مريدا لما يظن أنه مأمور به، فيكون ضالاّ. فإن هذا يشبه حال الضّالّين من النصارى، وقد قال تعالى: {اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِراطَ الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالِّينَ} . وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالّون» [أحمد (4/ 378) ] . فاليهود لهم إرادات فاسدة منهيّ عنها، كما أخبر عنهم بأنهم عصوا وكانوا يعتدون. وهم يعرفون الحق ولا يعملون به، فلهم علم، لكن ليس لهم عمل بالعلم، وهم في الإرادة المذمومة المحرّمة يتّبعون أهواءهم، ليسوا في الإرادة المحمودة المأمورة بها، وهي إرادة ما يحبه الله ورسوله. والنصارى لهم قصد وعبادة وزهد، لكنهم ضلاّل، يعملون بغير علم، فلا يعرفون الإرادة التي يحبّها الله ورسوله، بل غاية أحدهم تجريد نفسه عن الإرادات، فلا يبقى مريدا لما أمر الله به ورسوله، كما لا يريد كثيرا ممّا نهى الله عنه ورسوله، وهؤلاء ضالّون عن مقصودهم، فإن مقصودهم إنما هو في طاعة الله ورسوله، ولهذا كانوا ملعونين - أي: بعيدين عن الرحمة التي تنال بطاعة الله عزّ وجلّ -. والعالم الفاجر: يشبه اليهود. والعابد الجاهل: يشبه النصارى. ومن أهل العلم من فيه شيء من الأول، ومن أهل العبادة من فيه شيء من الثاني.

وهذا الموضع تفرّق فيه بنوا آدم، وتباينوا تباينا عظيما، لا يحيط به إلا الله، ففيهم من لم يخلق الله خلقا أكرم عليه منه، وهو خير البريّة، ومنهم من هو شر البريّة، وأفضل الأحوال فيه حال الخليلين: إبراهيم ومحمد - صلى الله عليهما وسلم -، ومحمّد سيّد ولد آدم، وأفضل الأوّلين والآخرين، وخاتم النبيين وإمامهم إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، وهو المعروج به إلى ما فوق الأنبياء كلهم: إبراهيم وموسى، وغيرهما. وأفضل الأنبياء بعده: إبراهيم، كما ثبت في الصحيح (2369) ] عن أنس، عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم خير البريّة» . وقد ثبت في صحيح مسلم [867] عن جابر، عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبة الجمعة: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمّد» . وكذلك كان عبد الله بن مسعود يخطب بذلك يوم الخميس، كما رواه البخاري في صحيحه [5747] . وقد ثبت في الصحيحين (3367) وم (2328) ] عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت: ما ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلم خادما له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه قطّ شيء فانتقم لنفسه، إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله. وقال أنس (2309) ] : خدمت رسول الله صلّى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفّ قط. وما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته. ولا لشيء لم أفعله: لم لا فعلته. وكان بعض أهله إذا عنّفني [في نسخة: عتبني] على شيء قال: «دعوه فلو قضي شيء لكان» .

ورسول الله صلّى الله عليه وسلم هو أفضل الخلائق، وسيّد ولد آدم، وله الوسيلة في المقامات كلها، ولم يكن حاله أنه لا يريد شيئا، ولا أنه يريد كل واقع، كما أنه لم يكن حاله أنه يتّبع الهوى، بل هو منزّه عن هذا وهذا. قال الله تعالى: {وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى} [النجم:3 - 4] . وقال -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت